‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجود اللّه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجود اللّه. إظهار كافة الرسائل


بسم الله الرحمن الرحيم... 

قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
[سورة الذاريات]
العِلَّة الغائِيَّة لا تليق بالله:
هل اللام في ( لِيَعْبُدُونِ ) هي لام التَّعليل؟ ولام التَّعليل مقبولة في حَقِّ الإنسان، ولكنَّها لا تَصِحُّ في حقِّ الله جلَّ جلاله، لماذا؟
بعضهم يقول : إنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الخَلْق لِهَدَف أن يعْبدوه، الإنسان حينما يرْسُم أمامه هدفًا ويسْعى إليه، فماذا يعني ذلك؟ يعني أنَّهُ ضعيف، وتوصَّل إلى هذا الهدف بِوَسيلة، لماذا تدْرس؟ كي تتعَلَّم، ولماذا تَحْفِرُ البئر؟ كي تستخرج الماء، ولماذا تزْرع الحبَّ؟ كي تُنْبِتَ الغذاء، فالإنسان حينما يكون له هدف، وهو قاصِر عن أن يَصِل إليه، فيستعين بِأداة، بِمُجَرَّد أن يكون لك هَدَف بعيدٌ عنك، وبعيد أن تصل إليه رأساً، فأنتَ مُحْتاجٌ لِوَسيلة، فلو أنَّني أردتُ الذهاب إلى مدينة بعيدة، لَلَزِمَني لذلك سيارة فهذه المدينة بعيدة عنِّي، ولا أستطيع أن أصل إليها إلا أنْ أرْكَبَ السيارة فلامُ التعليل، والأهداف والوسائل، كلها تَصِحُّ في حقِّ الإنسان ولكِنَّها لا تَصِحُّ في حقّ الله تعالى، فلامُ التعليل في هذه الآية خَرَجَت عن معناها، فليس معناها أنَّ الله سبحانه وتعالى له هَدَف، ووصَلَ إليه بِوَسيلة، لا، بل هو خَلَقَ الخَلْق كلهم، وعليهم أن يعبدوه، لذلك خالق بلا حاجة، والعِلَّة الغائِيَّة لا تليق بالله تعالى، ويجب أن نَنْفي عن الله تعالى العِلَّة الغائِيَّة، وهي أن نقول: إنَّ هناك غاية، والله تعالى وَصَل إليها بِوَسيلة، هذا شأْنُ البشَر، وشأْن الضِّعاف، أما الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيَكُون فلا يحْتاج إلى وسائل، ولا إلى أهداف، فلا الأهداف تليق به، ولا الوسائل تليق به،
فهل هناك لامٌ أخرى خَرَجَت عن مَدْلولها في القرآن؟ نعم، هي لام المآل،
قال تعالى:
(فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)
[سورة القصص]
لا يُعْقَل لِمَن كان له عَقْل أن يلْتَقِطَ غُلاماً لِيَكون له عَدُوًّا، لكنَّ هذا الغُلام آل أمرُه لِيَكون عَدُوًّا، فهذه لَيْسَت لامَ التَّعْليل، ولكنها لامُ المآل،
قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
[سورة الذاريات]
أفعال الله مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِح خَلْقِه:
إلا أنَّ بعضهم يفْهَم جَهْلاً أو خطأً أنَّنا إذا نَفَيْنا عن الله تعالى العِلَّة الغائِيَّة معنى ذلك أنَّ أفعال الله تعالى لا غايةَ منها! لكن الصواب أنّ أفعال الله مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِح خَلْقِه،
قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)
[سورة الذاريات]
أنا خلقتهم، فإذا عبدوني سَعِدوا، وهذه اللام ليْسَت لله عز وجل، ولَيْسَت تَعْليلاً لِخَلْق الله، بل هي عِلَّةُ سعادتهم، إن عَبَدوه سَعِدوا،
كليات الدين:
قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
[سورة الذاريات]
كلُّكم يعْلم أنَّ الدِّين فيه ثلاث كُلِّيات، جانب فِكْري، وجانب سُلوكي، وجانب جمالي،
الجانب السُّلوكي لا يكون إلا بالجانب الفِكْري، والجانب الجمالي لا يكون إلا بالجانب السُّلوكي،
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
العبادة لا تكون إلا بعد مَعْرِفَة، وهذه العبادة من لوازمِها السَّعادة، فأنت مَخْلوق كي تَعْلم وتعْمَل، وكي تَفْعَل، فالسَّعادة هي الغاية، والعِبادة هي الثَّمَن، والعِلْم هو السَّبَب،
قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)
[سورة الذاريات]
الحديث القُدْسي الذي ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ
[رواه مسلم]
الله هو الغني الحميد:
فالله سبحانه وتعالى خالقٌ بلا حاجة، لكنّ الناس فقَرَاء إلى الله عز وجل،
قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
[سورة فاطر]
مَن يُفَكِّر في كلمة الغَنِيّ الحميد؟ الإنسان أحْياناً تَظْهَرُ موَدَّته ولُطْفُه وأدَبُه ونُعومَتُه إذا كان مُحْتاجاً لإنسان، فإذا اسْتَغْنى عنه تَظْهر فظاظته وكِبْرُه واسْتِعْلاؤُه، فالذي ليس له أصْل إيماني، هذا لُطْفُ الضَّعْف، وأحْياناً الغِنى من لوازِمِه الفظاظة، والغِلْظة، والاسْتِعْلاء، والعُنْجُهِيَّة، وهذا شأنُ البَشَر، لكنّ الله سبحانه وتعالى حينما يَصِفُ ذاته بأسْمائِه، أو صِفاته الفُضْلى يأتي بِها في الأَعَمِّ الأغلب مَثْنى مثْنى، وهناك علاقة رائِعة بين الاسْمَيْن،
فالله تعالى قال:
(وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)
[سورة لقمان]
هو غَنِيٌّ عنكم، ومع أنَّهُ غَنِيٌّ عنكم، لا يُعامِلُكم إلا مُعامَلَةً تَحْمَدونه عليها، هذه الآية تُشْبِهُ قوله تعالى :
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
[سورة التغابن]
وقوله تعالى:
(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)
[سورة الرحمن]
قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
[سورة فاطر]
وقال تعالى:
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
[سورة الأنعام]
الحديث القُدْسي الذي ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)
[رواه مسلم]

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم... 

أيها الإخوة، هذا موضوع دقيق دقيق، وحَسَّاسٌ، لأنَّ فِئاتٍ كثيرة ضَلَّت وأضَلَّتْ، وزَلـــَّتْ أقْدامُها في هذا الموضوع.
صَلاَحِيَّة العَقْل في الاستدلال فقط:
إنَّ العَقْل مَحْدود الإمْكانات وذلك لِحِكْمةٍ أرادها الله تعالى، فأَنْ تَعُدَّ عَقْلَكَ كُلَّ شيء، وأنَّهُ بِإمْكانه أن يفْعَلَ كلّ شيء، هذه فِكْرة ساذِجة، فَعَقْلُكَ أداة مَعْرِفَة الحقائق، ولكن له طاقَةٌ مَحْدودة فَحَيْثُما وَجَّهْتَهُ إلى المادَّة لِتَخْتَبِر مُنْشِأها، وإلى الخَلْق لِتَعْرِفَ خالِقَهُ، وإلى النِّظام لِتَعْرِفَ نِظامَهُ، وإلى الفِطْرة لِتَعْرِف من فْطَرَها فحَيْثُما تَوَجَّهْتَ إلى المادَّة بِعَقْلِكَ كَشَفَ لك ما وراء المادَّة، وهذه المُهِمَّة سَمَّاها العُلماء الاسْتِدْلال، وهذه هي صَلاَحِيَّة العَقْل، تنْظر في الكون فَتَرى المُكَوِّن، وتنظر في النِّظام فَتَرى المُنَظِّم، وتنظر في الإبداع فَتَرى المُبْدِع، وتنظر في الجمال فَتَرى الجميل، وتنظر في الحِكْمة فَتَرى الحكيم.
الزلل يأتي من استخدام العقل في غير مكانه:
وإيَّاكم ثمَّ إيَّاكم أن تُحَمِّلوه ما لا يُطيق، وأن تُقْحِموه في عالَم الغَيْب، عِنْدَئذٍ يأتيكم بِنَتائِج مُضْحِكَة، لذلك الذين ضَلُّوا وأضَلُّوا ماذا فَعَلوا؟ سَلَّطوا عُقولهم على موضوعات غايتها في الدِّين الإخْبار، فأنت في دائرة الإحْساس، أو دائرة العَقْل، أو دائرة الإخْبار: ذاتُ الله عز َّوجل وأسْماؤُه وصِفاتُه، الماضي السَّحيق والمستقبل البعيد عالَمُ الغَيْب وعالَم الملائكة وعالَم الجنّ، هذه مَوْضوعات إخْبارِيَّة لا نَمْلِك فيها إلا الخَبَر الصادِق، وأيَّةُ زِيادَةٌ على الخَبَر الصادِق هي زِيادَة وَهْمِيَّة وظَنِيَّة، وليْسَت قَطْعِيَّة.
فلا ينبغي أبَدًا أن نُسَلِّطَ عُقولنا على موضوعات إخْبارِيَّة أخْبَرَنا الله بها، فلا ينبغي أن تَخُوض في موضوعات ذات الله عز وجل مُسْتَعينًا بِعَقْلِك، إذْ العَقْل هنا لا يُجْدي، ويجب أن تعرف حُدودك، فالعاقِل هو مَن يعرِف أين يقِف؟ ومتى ينبغي أن يقِفَ؟ لذلك
عَيْنُ العِلْم بالله تعالى هي عَيْن الجَهْل به، وعيْن الجهل به هي عين العِلْم به
وكلمة لا أعلم في ذات الله تعالى هي قِمَّةُ العِلْم، فلو قال لك أحد: كم مترًا بين البحر الفلاني والبحر الفلاني؟ فلو أجَبْتَهُ لكان هذا عَيْنَ الجَهْل،
والعَجْز عن الإدراك إدراك
وهو كلام سيِّدنا الصِّدِّيق، فلِذلك أيها الإخوة، أنت تبقى في أعلى درجات العِلْم، والوَقَار، والهَيْبَة، والمكانة إذا قلتَ عن موضوع مُتَعَلِّقٍ بِذات الله تعالى: لا أعلم! أما أن تَجْعَلَ مِن عَقْلِكَ أداةً تحكم به على كلّ شيء، ولو كان مُتَعَلِّقًا بِذات الله وأسْمائِهِ وصِفاتِه، فهذا تطاوُلٌ وتَألٍّ على الله، تعالى، ما أنزل الله به من سلطان، وخطأ كبير بحق نفسك لأنك استخدمت الأداة الخطأ للمعرفه بهذا الشأن، وهو ظلم كبير للعقل.
كُلَّما زِدْت في الكَون تَفَكُّرًا كلَّما زِدْت بالله تعالى مَعْرِفَة:
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
تفَكَّروا في مخلوقات الله ولا تفكَّروا في ذات الله
لذا وَطِّن نَفْسَك على أن تَخوض في آيات الله التي تتحدث عن خَلْقِه، وأن تُمْضي حياتَكَ كُلَّها في التأمُّل في مَخْلوقات الله وعَظَمَتِها، وكُلَّما زِدْت في الكَون تَفَكُّرًا كلَّما زِدْت بالله تعالى مَعْرِفَة وإلى أسمائِه وصِفاته الفضلى، أما إذا زَلَّتْ قَدَمُك وسَلَّطْتَ عَقْلَك على معْرِفَة ذات الله، فَهُنا المشكلة، ومِن هنا أخطأ بعض الناس، وزلَّتْ أقْدامهم، حينما جَعَلوا عَقْلَهم حَكَمًا على الغَيْبِيَّات، فَكَّروا في ذات الله بِهذا العَقْل المَحدود، وأرادوا به أنْ يسْتَوْعِبوا هذا الخالق القديم، فَلِذلك هنا المُنْزَلَق، لكن، سبحان الله!‍ هناك باب واسع يُمْكِن أن يرْقى بِكَ إلى أعلى عِلِيِّين، فلو تأمَّلْتَ حِكْمَة الخالِق فيما خَلَق لرأَيتَ عِلْمًا ما بعْدَهُ عِلْم.
ولو فَكَّرْنا في عِلْم الله تعالى، ودَقَّقْنا في خَلْق الله تعالى، وفي النبات، والحيوان، والإنسان، وفي عِلْم الأجِنَّة، وفي الكَوْن، لَوَجَدْنا في عِلْم الله تعالى الشيء الذي لا يُصَدَّق!
الله يُحيطٌ بالزَّمَن لأن الله من خلقه والزَّمَن مُحيطٌ بالإنسان:
وهل الزَّمَن يُحيط بالله عز وجل؟ أم أنَّ الله عز وجل مُحيطٌ بالزَّمَن؟
الزَّمَن مِن خَلْق الله، فَنَحن كَبَشَر مَحْدودون، نقول: اليوم السَّبت، وغداً الأحد، إلخ …، ونقول: هناك شَهْر كذا وكذا، ونقول في عام ألْفَيْن! فنحن لأنَّنا ضِمْنَ الزَّمَن نقول هكذا، لكنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلَقَ الزَّمَن وهو من بعض خلقه،
والعلماء قالوا: إنَّ الأجسام المادِيَّة لها طول، وعرْض، وارْتِفاع، وهي الأبعاد الثلاثة، أما إذا تَحَرَّكَت أصبَحَ هناك بُعْدٌ رابِع هو الزَّمَن، فالزَّمَن هو البُعْد الرابِع، وحَرَكَة الأفلاك هي سبب تَشَكُّل الزَّمَن، فالزَّمَن بُعْدٌ مِن أبعاد الخَلْق، والله عزَّ وجل مُحيط بالخَلْق، حتَّى إنَّ هناك أشياء كما تعلمون كشَفَها أنْشتايْن، نحن أجْسام عاكِسَة للضَّوء، فَكَيْف أنّ المُذيع أمام الكاميرا تَظْهر صورته على الشَّاشَة؟ يُسَلَّط عليه عشْرة آلاف شَمْعة من الكهرباء القَوِيَّة، ويُصْبِحُ جَسَدُه عاكِسًا للضَّوء، وتخْرُج منه مَوْجات ضَوْئِيَّة، فَنَحن عندَنا مَنْبَع ضَوْئي، وعاكِس ضَوْئي، فَهذا المِصْباح مَنْبَع ضَوْئي، وهذا الكتاب مثلاً عاكِس ضَوْئي، فالمَنْبَع الضَّوئي، والعاكِس الضَّوْئي يُصْدِران أمْواجًا ضَوْئِيَّة، وهي تسير بِسُرْعَة ثلاثمائة وستُّين ألف كيلومتر في الثانِيَة! يقول أنْشتايْن: لو قُدِّرَ لإنْسانٍ أن يمْشي بِسُرْعَة الضَّوْء لما بَقِيَ هناك زَمَن! لو فرضْنا أنَّهُ لا يوجد سَقْف، وكانت هناك إضاءة، ونحن أجسام عاكِسَة تَصْدر عنها أمواج ضَوْئِيَّة نحو الفضاء الخارجي سرعتها ثلاثمائة وستُّون ألف كيلومتر بالثانِيَة، فلو ركِب إنسانٌ مَرْكَبَةً وسار مع هذه الأمواج، ماذا يحْدُث؟ يرى هذه الجَلْسَة إلى أبَدِ الآبِدين، معنى ذلك أنَّ الزَّمَن تَوَقَّف، ويكون إخواننا كَبروا، وجاءهم الأولاد، وأصبحوا دعاة، وأصْبَحوا أجدادًا، وأخونا الذي يمْشي مع الضَّوْء يرى هذا المنظَر هو هو! أما لو سَبَق الضَّوء لتراجَعَ الزَّمَن، والآن هناك دِراسات تقول: إنَّهُ يُمْكِن أن نرى معْرَكَة اليَرْموك! فلو أنَّ معركة مضى عنها مثلاً ألف سنة، فلو سَبَقْنا أمواج الضوء، واسْتَطَعْنا أن نُسَجِّل هذه الأمواج، فلو كان لنا جهاز يعْكس هذه الأشياء لرأيْناه، لذا كلّ شيءٍ يعمله الإنسان مُسَجَّل عليه، فأصْبح لدينا أنَّنا إن سبَقْنا الزَّمَن فإنَّه يتراجَع، أو إن نَسْبِقَ الضَّوء يَتَوَقَّف الزَّمَن، وإن نُقَصِّرَ عنه تَراخَى الزَّمن!
فَمِنَ السَّذاجَة وضيقِ الأُفُق أن نَجْعَلَ الزَّمَن مُحيطًا بالله عز وجل، وأن تقول: الله لا يعلم ما سيَكون! هذا الكلام بالنِّسْبة لنا، أما بالنِّسْبة لله تعالى فلا حقيقة له، لا يعلم ما سيَكون! إنَّما قوله لشيء إذا أراده: كُن فَيَكون، والزَّمَن بعض خَلْقِه،
الدليل النقلي على أن الله خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه:
خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه
خلَقَ: أي أوْجَدَ، وأبْدع، وأنْشأ، ويأتي خلَقَ بِمَعنى قدَّرَ،
الخَلْقَ: هنا بمعنى المخلوق،
بعِلْمِه: أي خَلَقَهم عالِمًا بِهم،
وقد ذَكَرْتُ لكم موضوعًا دقيقًا، وهو حينما يأتي أخٌ مِن إخواننا الكرام لِيُمْسِكَ هذا الكأس، ويَضَعه هنا، وأنا أعرف ماذا يفْعَل فهذا علمٌ، لكِنَّني إذا أمْسَكْتُهُ أنا، ونَقَلْتُه، فهذا فعلٌ لا علم، ومِن وراء الفعل علمٌ، هذا من باب أوْلى، وهو أبْلَغ، فالفِعْل فِعْلُ الله، فَكَيْف لا يعْلم مَن خلَق؟ ولا يمكن أن يكونَ شيء إلا بالله، وهو الحيّ القَيُّوم، فالحَرَكات،والسَّكنات، وكل شيء في الكون لا يقوم إلا بالله، فالإنسان إذا عَلِمَ فَهُوَ طرَفٌ مُتَفَرِّج، لكنَّ الله تعالى كيف يعْلَم؟ لأنَّه لا يقَعُ شيء إلا بِفِعْلِه، فَعِلْمُ الله تعالى إذاً لازِمٌ،والدليل القرآني قوله تعالى:
(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
[سورة الملك]
فلو أنَّ أحدكم فرشَ بيْتَهُ، واشْترى غرفة النَّوم، وغرفة الضُّيوف، وانتَقى، وبحث في المَحَلاَّت، فهل من المَعقول أن يقول أحَدٌ: هل يعلم ماذا اقْتنى؟‍! هو الذي اشْترى، وهو الذي نَقَلَ، ورَتَّب.
وقال تعالى:
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
[سورة الأنعام]
تعرفون جميعًا أنَّ كلمة: وعنده مفاتِحُ الغَيْب، تختَلِف عن قول: ومفاتِح الغَيْب عنده! فالثانِيَة تعني أنَّ مفاتِحَ الغيب عنده وعند غيرِه، أما الأولى فهِيَ حَصْرًا له تعالى، لذا إيَّاك أن تتوَرَّط في حديث عن المستقبل، فإنّ الغَيْب لا يعْلمُهُ إلا الله، ولا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلَّم يعلمه، فإن عَلِمَ غيْبًا فَمِن إعلام الله له، فقد حَدَّثنا النبي عليه الصلاة والسلام عن قِيام السَّاعة، وعلامات آخر الزَّمان، أما أن يعلم الغَيْب لذاته فهذا مُستحيل.
قال تعالى:
(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً)
[سورة الجن]
وقال تعالى:
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
[سورة الأنعام]
يعلم دبيب النَّملة السَّمراء، على الصَّخرة الصَّماء في الليلة الظَّلماء
فَبَاب العِلْم يُعطيك راحة نَفْسِيَّة، والله عز وجل يعلم السرّ وأخفى،
قال تعالى:
(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
[سورة الأنعام]
وفي الآية ردّ على من يقول: إنَّ الله لا يعْلم، ولا يعْلم الشيء إلا بعد أن يقَع! فَعِنْدَئِذٍ ما الفرق بينك وبين الله؟!! فأنتم تروْن أنَّني أتَكَلَّم الآن، فأنتم متى علِمْتُم ذلك؟ بعد أن تَكَلَّمْتُ، فإذا كان الله عز وجل لا يعْلم إلا بعد الوُقوع، فما الفرق بيننا وبينه تعالى؟!
ليس كمثله شيء سبحانه
وكلّ شيء خطر بِبَالِك فهو تعالى خلاف ذلك
الدليل العقلي على أن الله خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه حيث أنَّه يسْتحيل إيجادُه الأشياء مع الجَهْل:
هذا كله بالنسبة للدليل النَّقلي، أما العقْلي فسأضْرِبُ لكم مثلاً:
مَرْكَبَة فضائِيَّة اسْتطاعَت أن تتخَلَّص من جاذِبِيَّة الأرض، هذا يعني أنَّ سرعتها فائقة وخيالية، إخواننا علماء الرياضيات يعلمون كيف تتفَلَّت المركبة من جاذِبِيَّة الأرض، فالطائرة العادِيَّة لا يمكن أن تخرق الغِلاف الجَوِّي فالأرض تجْذِبُها، أما مركبَة الفضاء التي تذهب للقَمَر فهذه انْدَفَعَت بِسُرْعَة، ولا أذْكر الآن بالضَّبْط التفاصيل إلا أنّ الأمْر على أساس الوَقُود السائل، يشْتَعِل فَتَنْدَفِع المركبة انْدِفاعًا مُذْهِلاً، ولا بدّ من سرعة عاليه جداً حتَّى تتغَلَّب هذه المركبة على جاذِبِيَّة الأرض لها، فأنت لم تَلْتَقِ إطْلاقًا بِأُناسٍ صَمَّموا هذه المرْكَبَة إلا أنَّهُ ثبتَ لَدَيْك أنَّ هناك مرْكبة انْطَلَقَت من قاعِدَة إطْلاق صَّواريخ، وسارَت باتِّجاه القَمَر، وتحتاج إلى ثلاثة أيَّام، هذا يعني أنَّ الذي وَجَّهها نحو القَمَر، أو إلى ما بعد القَمَر هذا يعني أنّه درَسَ سرعة الاتجاه نحو القَمر، ودرس السرعة التي تتفلَّت المركبة من الجاذِبِيَّة، وأثناء السَّير صار هناك تصحيح مسار، وهناك اتِّصال بين الأرض والمركبَة لاسِلْكي، ووصَلَت هذه المركبة إلى القَمَر، ومَشَت عليه، وتَجَوَّل الرُّواد عليه، فهل تَحْكم، وأنت لم تَرَهم، ولم تر خِبْراتِهم؟ هل تحكم بِعِلْمِهم، أم بِجَهلهم؟
فأن تركب طائرة تَسَع لأربعمائة راكب؟ عقلك لا يستوعب أن تسع هؤلاء الركاب! تراها وكأنَّها مدينة، ويُقَدَّم لك الطعام والشراب، وتجلس بِمقاعِد مُريحة، وعلى ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم، شيء غريب، فهل تَحْكم على مَن صَمَّم هذه الطائِرَة بالعِلْم أم الجَهْل؟ هذا دليل عَقْلي فالذي صَمَّمها لم ترهُ، لكن ألا تحْكم له بالعِلْم، وأنت تصعد الطائرة، وهناك بخار ماء، والحرارة فوق كَم؟ الحرارة خمسون تحت الصِّفر! لذا بخار ماء المنبعث سيتجمد، وهذا يعني تجمّد الأجهزة، وعلى هذا فهناك أجْهزة تَسْخين في الطائرة، فإذا رأى انخفاض الحرارة خمس درجات يسخِّن الأجهزة كلَّها، الأمر الثاني، هل يُعْقَل على ارْتِفاع خمسين ألف قَدَم أنْ يتنفَّس الإنسان، المفروض أنْ يخرج الدَّم مِن رِجْلَيْه! ويخْتَنِق! لكنَّ الطائرة مَضْغوطة ثمانِيَة الأمْثال هواءً، حتى يتوافق الضَّغط على ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم مع الضَّغط الذي على الأرض، ولو تَعَطَّل جِهاز الضَّغط على الطائِرَة لَوَجَب أن تَهْبِط اضْطِرارِيًّا، وقد جَلَسْتُ مرَّةً مع طيَّار، فذَكَر لي أشياء لا تُصَدَّق، والآن هناك بعض الطائرات الحديثة تنزِل بفعلٍ أوتوماتيكيٍّ، فهي تَصعد، وتَنزل على الرادار! فالقَصْد من كلامي أنَّ الذي صَمَّم هذه الطائرة ما رأَيْتَهُ، وما رأيْتَ شهاداته، أفلا تَحْكم عليه بأنَّه عالِم يقينًا! أفلا تقول: إنّ وراء هذه المهارات أدْمِغَة؟
قرأْتُ كتابًا مُتَرْجَمًا عن الطُّيور، إلا أنَّه لفَتَ نظري فيه أوّل عبارة وهي: إنَّ أعْظَمَ طائِرَةٍ صنَعَها الإنسان تبْدو تافِهَةً أمام الطائِر، فالطائر يطير سبْع عشرة ساعَة من دون تَوَقُّف! ويرى ثمانية أمْثال الإنسان، يا ربّ لماذا خَصَصْتَ هذا الطائر بالبَصَر الحادّ؟ لأنَّه يلْزَمُه كي يأكل حين ينزل من السَّماء إلى الأرض، وربما لا يجد، ثمّ يُعيد الكرَّة فلا يَجِد مثلاً لكن لمَّا أوْدع الله تعالى فيه قُوَّة الإبْصار، فهذه تَجْعَلُه يرى الأكل من بعيد، هذه هي الحِكْمة! وله غِشاء شَفّاف مُقاِوم للهواء حينما يطير بِسُرعة هائِلَة، وما دام الطائر في حركة دائِمَة فهل تُصَدِّقون أنّ الهواء الذي يسْتَنشِقُه الطائِر يسْري إلى جِسْمِه كُلِّه، فالهواء المُسْتَنْشَق يجري في قَصبات هوائِيَّة تَصل لِجَميع الجسَد، وذلك من أجْل تَبْريد العَضَلات، والله أيها الإخوة، لو قرأتُم عن الطُّيور لَوَجَدْتُم شيئًا لا يُصَدَّق، وإنًّ الطائرة لتبْدو تافِهَة أمام هذا الطائِر، فَخالِقُ الطُّيور أبْدعَ أموراً وأشياء لا تُقاسُ بأيّ اخْتِراع.
فالدليل العَقْلي على عِلْمِه تعالى أنَّه يسْتحيل إيجادُه الأشياء مع الجَهْل! يسْتحيل أن يُصَنَّعُ دواء فعَّال جدًّا من قِبَلِ رجلٍ جاهِل! ولأنَّ إيجادهُ الأشياءَ بإرادَتِه، والإرادة تَسْتَّلْزِمُ تَصَوُّر المُراد، وتَصَوُّر المُراد هو العِلْم بالمُراد، فكأنَّ الإيجاد مُسْتَلْزِمًا للإرادة، والإرادة مُسْتَلْزِمَةً للعِلْم، فأصْبَحَ الإيجاد مُسْتَلْزِمٌ للعِلْم، والعقل يقول هذا.
هناك عالِم ألماني قال: هل تؤمن أنّ انْفِجارًا حصل بِمَطبعة فَصَدَر منه قاموس: لاروس (LAROUSSE)‍! واللهِ، فالذي يؤمن أنّ هذا الكَوْن جاء بالصُّدْفة كمَن يؤمن أنّ هذه الكتب الآن جاءَت عن طريق انْفِجار مَطْبَعَة، فالفِكْرَة أنّ الوُجود يَقْتَضي العِلْم.
قلتُ لكم مرَّةً: أحْيانًا الإنسان لا تكون له علاقة بالموضوع، ولكن تكون لك حاجَة عَقْلِيَّة، فأنا كنت أُلاحظ
أن بعض جُسور فيها منَبِّهات أجراس، إن زادَت الحُمولَة على الوزن المُقَرَّر فإنَّ رنينًا يُنَبِّهُك! هذا فِكْرٌ صَمَّم هذه التَّرْتيبات، فالإنسان إذا فَكَّر وجَدَ وراء هذا التَّصْميم عَقْلاً وعلمًا .
صهاريج الوقود تَجِدها تمْشي ووراءها قطعة حديد تضرب الأرض، فما هي؟ ولماذا؟ مِن أجل امْتِصاص الشحنات السَّاكنة.
فالعَقْل البشري له مَبْدأ السَّبَبِيَّة، والغائِيَّة، وعدم التناقض، هذه مبادئ العَقْل، وهي وَفْق مبادىء الكَوْن.
الله الخالق هو العالِم:
ولأنَّ الفِعْلَ المُحْكَم المُتْقَن يَمْتَنِعُ صُدوره عن غير العالِم، ولأنَّ مِن المَخْلوقات ما هو عالِمٌ، ولأنّ العِلْمَ صِفَةٌ كمالٍ، ويَمْتَنِعُ ألاّ يكون الخالِق عالِمًا، وهذا له طريقان، فهذا دليل عَقْلي، فَكُلّ شيءٍ مُتْقَن يَحْتاج إلى عِلْم.
1.الطريق الأول:
نحن نعلم بالضرورة أنَّ الخالِق أعلم من المخلوق، وأنَّ الواجبَ – وهو الله – أكْمَل من المَخْلوق، ونَعْلَم ضَرورَةً أنَّنا لو فَرَضْنا شيئَين، أحدهما عالِم، والآخر غير عالِم كان العالِم هو الأكْمَل، فلو لم يكن الخالق عالِمًا لَلَزِمَ أن يكون المُمْكِن أكْمل منه وهذا مُمْتَنِع.
2.الطريق الثاني:
كلُّ عِلْمٍ في المُمْكِنات التي هي المَخلوقات فهو منه، ومِن المُمْتَنِع أن يكون فاعِلُ الكمال ومُبْدِعُهُ عارِيًا منه، بل هو أحَقُّ به، والله تعالى له المَثَل الأعلى، فلا يَسْتوي هو والمَخلوقات، لا في قياس تمثيل، ولا في قياس شُمول، بل كل ما ثَبَتَ في مَخلوق من كمال، فالخالِقُ به أحَقّ، وكل نَقْصٍ تنزَّه عنه مَخلوق ما فَتَنْزيهُ الخالِقِ عنه أوْلى.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم... 

الله خلق كل شيء وقدره تقديرا:
قال تعالى:
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)
[سورة الفرقان]
فأنت ممكن أن تنشئ غرْفَةً، فلو أرَدْتَها أن تكون مرئابًا لِسَيَّارَةٍ فلها مواصفات غير بناء الغرفة، وهي أن تكون متناسبة مع المركبة، فلو أنَّها أضْيَق من عرْض المركَبَة، فهذه غير مُقَدَّرة تقْديرًا، وكذلك لو أنَّ سَقْفَها منخفض، ولو أنَّك إن دَخَلْتَ إليها لم تتمَكَّن مِن فَتْح الباب لِتَخْرُج فهي غُرْفَةٌ بُنِيَت بناءً صحيحًا، إلا أنَّ تقْديرها سيِّئٌ، فالتَّقْدير شيءٌ يخْتَلِف عن الخَلْق.
فالإنسان خلقَهُ الله، فلو أراد أن يُنَظِّفَ نفْسَه فإنّ يَدُهُ تَصِل لِكُلِّ أنْحاء جسْمِه، فلو أنَّها كانت قصيرة لَما كان هناك حَلٌّ لِهذا، ولو أنَّ الله تعالى ما خلق هذا المَفْصَل لما أمْكَنَ إلا أنْ يأكل كما تأكل الهِرَّة ينْبَطِحُ، ويلْتَقِمُ الطَّعام بِفَمِهِ! من الصَّحْن مُباشرةً، كيف تَصِلُ اللُّقْمة إلى الفَم، فالخَلْق شيء، والتَّقْدير شيءٌ آخر.
خَلَقَ الخَلْقَ بِعِلْمِهِ، وقَدَّرَ لهم أقْدَرًا
وهذا المعنى مُسْتفاد من قوله تعالى:
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى)
[سورة الأعلى]
فَسَوَّى: أي ناسَب.
فالأشْجار لو أنَّها شامِخَة، ومَلْساء، وارتفاعها ثلاثون مترًا لاسْتَحال أن نقْطِفَ ثِمارَها، لكنّ ارْتِفاعُ الأشْجار مَعْقول، ولو أنَّها مع الأرض لكانت غير مَعْقولة فَكُلّ شيء مخلوق بِقَدَر.
قال تعالى:
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)
[سورة الفرقان]
وقال تعالى:
(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)
[سورة القمر]
هل تُصَدِّق لو أنَّ القُدْرة على الرؤْيَة تضاعَفَت لما أمْكنك أن تشْربَ هذا الكأس من الماء! هذا الماء الصافي العَذْب الزُّلال فيه ملايين البكْتيرْيا، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى وسَّعَ القُدْرة على الرؤْية لرأيْتَ الكائِنات الحَيَّة، ولما أمْكنك شرب الماء، فالسَّمْع له عَتَبَة، والبصر له عَتَبَة، وأحْيانًا الإنسان إذا أكَلَ شيئًا حامِضًا، وشيئًا مالِحًا شعرَ بالحُرْقَة، ولو أنَّ الله عز وجل رفَعَ حساسِيَّة الأعصاب لغَدَتْ حياتنا جحيمًا.
وقال تعالى:
(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)
[سورة القمر]
وقال تعالى:
(مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً)
[سورة الأحزاب]
دليل الترجيح يُعَدُّ أكبر دليل على وُجود الله:
لذلك يُعَدُّ أكبر دليل على وُجود الله، دليل التَّرْجيح، وأوْضَحُ مثلٍ، أن تفتَح مفتاح الكهرباء، أليس بِإمكان الكهربائي أن يضع المفتاح على ارْتِفاعٍ كبير؟! بلى، ولكن هذا غير حكيم، أو في مكان مختفٍ! إلا أنَّ هذا المفتاح في كلّ البيوت تجدهُ معْتَدِل الارتفاع، وهذا سَمَّاهُ العلماء دليل التَّرْجيح، ولا ترْجيح بلا مُرَجِّح، وكل شيء فيه حِكْمة، أيْ أنَّ وراءهُ عقْلاً حكيمًا جعله في هذا المكان، وهذا أحَدُ أكبر الأدِلَّة التي تُؤَيِّد، أو تُؤَكِّد وُجود الله عز وجل، ولك أن تستنبط مِن خلْق الإنسان ما لا يُعَدُّ، ولا يُحْصى، عَتَبة البصر، وعَتَبة السَّمْع، والشمّ والرؤية، والإحساس، فَكُلّ شيء خلقَهُ الله بِقَدَر دقيق.
الله حدد آجال الخلق:
وضربَ لهم آجالاً
أي أنَّ الله تعالى قدَّر آجالَ الخلائق، حيث إذا جاء أجَلُهم لا يستأخرون ساعَةً ولا يسْتَقْدِمون.
1.عدم قصم الظالم فرصة لكي يتوب:
يقول الله سبحانه وتعالى:
(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)
[سورة الشورى]
فهذه الآية أيها الإخوة، لو تأمَّلْنا فيها لذابَتْ نُفوسُنا حُبًّا لله عز وجل.
(وَلَوْلَا) كما تعلمون حرْف امْتِناعٍ لِوُجود، لولا المطر لَهَلَك الزَّرْع، فامْتَنَع هلاك الزَّرْع لِوُجود المطَر، وامْتَنَع قَصْم العباد العُصاة لِسَبَبَيْن: امْتَنَع قَصْم العباد الفجار العُصاة بِكَلِمَةٍ سبَقَتْ من ربِّك ولأجلٍ مُسَمَّى.
وهناك سؤال يطْرحه بعض الناس، فهذا الفاجر، والظالم، والعاق للوالِدَين، والذي يؤذي من حوله، وهذا الكافر، صِحَّتُهُ جيِّدة، ومالُهُ كثير، والناس يخافونَهُ، فأين الله؟ لماذا لا يقْصِمُهُ؟ هذا سؤال يَرِدُ كثيرًا؟ والجواب هو الآية قال تعالى:
(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)
[سورة الشورى]
فما دام هذا الإنسان لم يأتي أجله، إذاً هناك فرصه في هِدايَتِهِ.
والدليل قال تعالى:
(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
[سورة هود]
وما دام أنَّ الإنسان يعيش، معنى ذلك أَنَّهُ أُعْطي فُرْصَةً لِيَتوب، وعندي ألف قِصَّة حول هذا الموضوع، فهناك مَن يرْتَكِب أكبر الكبائر، يا ربّ لماذا لم تَقْصِمْهُ؟ ثمَّ تُفاجأ أنَّه تاب إلى الله! معنى ذلك أنّ عِلْمَ الله لِصالِحِك، عَلِمَ فيك الخَيْر فأَعْطاك فُرْصَةً لِتَتُوب، وهذا شيءٌ دقيق جدًا، قال تعالى:
(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)
2.الله يُمْهِل ولا يُهْمِل:
ما هذه الكلمة؟ أنَّ رحْمة الله سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ليس القَصْد أن يُعَذِّبَهم، ولا أن يَقْصِمَهم، ولا أن يُقيمَ عليهم الحُدود، لا، ولكن القَصْد أنْ يَرْحَمَهم، فالأب الرَّحيم يَغُضُّ بصَرَهُ عن تِسْعَة أخْطاء، ويُحاسِب على العاشِرَة، ولأنّ الله سبحانه وتعالى رحْمته سَبَقَت غَضَبَهُ.
قال تعالى:
(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى)
[سورة طه]
عِقابُهُم وَقَصْمُهم، ولكان لِزامًا إهْلاكهم.
قال تعالى:
(إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)
[سورة الشورى]
أَوْضَح مَثَلٍ: طالبٌ لا يُمكِنُ أن ينْجَح، فَهَل يمكن أن يرقن اسمُه في العام الدِّراسي؟ لا، إلى أن يأتي الامْتِحان، وهذا الامْتِحان هو أجَلٌ ضُرِبَ له، وبعد الامْتِحان يرْسُب، ولكن قبْله لا يَرْسُب، وهذا حتَّى لا يكون للإنسان حُجَّة على الله.
قال تعالى:
(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)
[سورة فاطر]
فالله عز وجل بيَّن أنّه لا يَهْلِك إلا هالِكًا.
قال تعالى:
(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)
[سورة الأنفال]
قال تعالى:
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)
[سورة هود]
فالله تعالى قَصَمَهُم، والله تعالى يقول:
(قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
[سورة يونس]
وهذا بعد أربعين سنة حتَّى أجاب الله الدَّعوة، فالإنسان نفسُه قصير النظر، ويُريد بعد ساعات معْدودة أنْ تُحسَمُ المسألة! ولكنَّ الله عز وجل يُمْهِل، ولا يُهْمِل.
قال تعالى:
(وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لَا رَيْبَ فِيهِ)
[سورة الإسراء، مِنَ الآية 99]
أي أنَّ الله سبحانه وتعالى قدَّر آجال الخلائق حَيْث إذا جاء أَجَلُهم لا يسْتأخِرون ساعَةً، ولا يسْتَقْدِمون.
3.طول عمرك هو الأنسب لك:
إلا أنَّ هناك ملاحظة، ولأنّ الله عز وجل حِكْمَتُهُ مُطْلَقةٌ فالإنسان لو كُشَفَ له يَوْمَ القِيامة عن حِكْمَة الأَجل الذي عاشَهُ سَيَقُول: الحمد لله ربِّ العالمين، فَكُلُّ ما يقوله الإنسان مِن كلام أنّ فلانًا مات في ريعان شبابه فهذا مِن جَهْلِنا، وحِكْمَةُ الله مُطْلَقَة ولا يعْرِفُها إلا الله.
إذاً الأجَلَ الذي كتَبَهُ الله لي هو أنْسَبُ أجَلٍ، ويُؤَكِّدُ هذا دُعاء النبي عليه الصَّلاة والسَّلام.
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فيقول:
اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي
[رواه النسائي]
4.تقصير العمر:
يجب أن تعْتَقِدُ أنّ الميِّت مَقتول بِأجَلِه، وثمة عقيدة خطيرة، وهي أنّ له أجَلاً، ولكنَّ القاتِل عدَّل له أجلهُ! هذه عقيدة فاسِدَة، فاحذَر الزللَ، فالمَقصود أنّه مَيِّتٌ بِأجَلِهِ، فَعَلِمَ الله تعالى، وقَدَّر، وقضى أنَّ هذا سيموتُ بِسَبب المَرض، وهذا بِسَبب القتْل، وهذا بِسَبب الهَدْم، وهذا بالحَرْق، وهذا بالغَرَق إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه وتعالى خلق الموت والحياة، وخلق سبَبَ الموت والحياة.
بعضهم قال بأن المَقْتول مَقْطوعٌ عليه أجَلُه، ولو لم يُقْتَل لَعاشَ إلى أجَلِه، معنى ذلك أنَّ الكافر سبق الله عز وجل، فهو تعالى قدَّر له أجَلاً! كلامٌ مُضْحِك، فالله تعالى قدَّر أجَلاً، وجاء القاتِل فَحَسَمَ هذا الأجَل قبل أوانِه‍!.
فَكأن له أَجلان، وهذا باطِل، لأنَّهُ لا يليق أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى أن يكون جعَلَ له أجَلاً يعْلَمُ أنَّه لا يعيش له البتَّة، فإذا قلْتَ: لا يعْلم، معنى ذلك أنَّ الله تعالى جعل له أجَلاً غير حقيقيّ، يعْلم أنَّه سيُقْتَل، وجعل له أجَلاً بعيدًا، أو يجْعل أجَلهُ أحَدَ الأمْرَين، كَفِعْل الجاهل بالعواقِب، وهذا عذْر أقبَح من ذنب، ووُجوب القصاص والضَّمان على القاتِل لارْتِكابِهِ المَنهيّ عنه، وكأنَّ الله تعالى رَسَم خُطَّة والقاتِل أفْسَدَها عليه!!!
5.إطالة العمر:
وعلى هذا يُخَرَّج قوله صلى الله عليه وسلَّم: صِلَةُ الرَّحِمُ تزيد في العُمْر، أي هي سبب طول العُمْر، فهناك توجيه لطيف جدًا: العُمْر لا يزْداد زَمَنًا، ولكن غِنًى بالعَمَل الصالِح، فأنت في مَحلّ تِجاري مثلاً، هل يَهُمُّكَ كم ساعَةً فَتَحْتَ، أم كم وَجَدْتَ في الدُّرْج من الربح؟! فقيمة الأَجَل بِمُحْتواه من عَمَلٍ صالِح، هذه هي قيمَتُه! لذلك الأحاديث التي تَدْعو بِطُول العُمُر تُوَجَّه هذا التَّوْجيه، أي أن يَغْتَنِمَ هذا العُمر بالأعمال الصالِحَة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من المُعَمِّرين في العمر كزَمَن: ثلاث وستُّون سنة عاشَها صلى الله عليه وسلَّم، ووصَل هُداه إلى الصِّين وإلى فرنسا، والآن بِأمريكا، وقال لي أخٌ كان في وَاشِنْطُن: عِشْتُ هناك أمَدًا، والآن فيها سبْعة مساجِد، وفي باريس احْتَفَلوا بإنشاء المسجِد رقم ألف! ويُعَدُّ الإسلام الدِّين الثاني في البلاد، ولذلك أقْسَم الله تعالى بِعُمْر النبي عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى:
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)
[سورة الحجر]
6.العِنايَة بالصِحَّة وإطالة العمر:
سألني أَحَدُ الإخوة، مادام الأجَل مَحْدودًا، فَلِمَ العِنايَة بالصِحَّة؟ فقُلْتُ له: العِنايَة بالصِحَّة مِن أجل حالتَيْن: إمَّا أن تعيشَها، وأنت مريضٌ على الفراش، وإمَّا أن تعيشَها وأنت صحيحٌ! أما الأجَل فهُوَ هُوَ! فالمَرَضُ لا يُنْهي حياة الإنسان، إنَّما الذي يُنْهي حياة الإنسان هو انتهاءُ الأجَل، فَكَم مِن سقيمٍ عاشَ حينًا من الدَّهْر.
وقال تعالى:
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)
[سورة آل عمران]
7.لن تندم على عمرك إلا ما فاتك من عمل صالح:
وأنت إذا كان عمرك ثمينًا، من طلبِ عِلمٍ، إلى عملٍ صالِحٍ، إلى عملٍ، وإلى خِدْمةٍ، ولإصْلاح بين الناس، وإيناس الزَّوْجة والأولاد، فٍجْعَل عمرك غَنِيًّا بالعمل الصالِح، لأنَّك لن تنْدم على الدنيا بِشَيءٍ إلا على ما فاتك منها من العمل الصالِح.
وربُّنا عز وجل قال:
(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
[سورة المؤمنون]
كلمة الحق لا تقْطَعُ رزْقًا، ولا تُقَرِّبُ أجَلاً.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم.... 

قال تعالى:
(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
[سورة الحديد]
وقول النبي عليه الصلاة والسلام في دعائِه الشريف:
اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ
[رواه مسلم]
ولازلْتُ أؤكِّد حقيقةً، أن نسْتنبط العقيدة بِبَساطةٍ، وبِيُسْرٍ من كلام الله عز وجل، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأنَّ في كلام الله تعالى من الدِّقَّة والوُضوح والإيجاز ما يُغْني عن كُلِّ تفْصيل.
الإنسان بِفِطْرتِه يعْتَقِد أنَّ الله هو الأوّل بلا ابْتِداء، وهو الآخر بلا انتِهاء:
قال الإمام الطحاوي:
والعِلْمُ بِثُبوت هذين الوَصْفين مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر
أيْ أنَّ الإنسان بِفِطْرتِه يعْتَقِد أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الأوّل بلا ابْتِداء، وهو الآخر بلا انتِهاء فَمَعنى مُسْتَقِرٌّ بالفِطَر أي أنَّ الإنسان أحْياناً يؤمن بالشيء من دون دليل فإذا آمن بالشيء من دون دليل فهذا اسْمه إيمان فِطْري، فلو أنَّك قرأت القرآن الكريم شعَرْتَ أنَّهُ كلام الله، وهذا الشعور أساسه أنّ فِطْرتك مجْبولةٌ على الإيمان بالله تعالى، ضَرَبْتُ مرَّةً مثَلاً وقلتُ: لو أنَّنا جئْنا بخارِطة ذات بُعد ثالث، ووضَعْناها ضِمن إطار خَشَبي، ثمَّ صَبَبْنا عليها جِبْصيناً سائِلاً إلى أنْ جفَّ، لوجدنا تطابقًا تامًا على مُستوى مِعْشار المليمتر على الخارطة البارزة والمُجَسَّمة وبين هذا القالب.
أيها الإخوة، النَّفْس البَشَرِيَّة في تطابقها مع الشرْع الحنيف ومع الدِّين لا تعْدو على أن يكون التطابق تاماً! فأنت متى ترْتاح؟ إذا عرَفْتَ الله ومتى تسْتَقِرُّ نفْسك؟ إذا اتَّبَعْتَ منهجه، ومتى تطْمَئنّ؟ إذا ذَكَرْته، ومتى ترْكن؟ إذا اعْتَمَدْتَ عليه، ومتى تشْعر بالأمْن؟ إذا أطَعْتَهُ، معنى ذلك أنّ الفِطَر مَجْبولةٌ على الإيمان بالله والاسْتِعاذة به واللُّجوء إليه، مثَلٌ آخر أقرب، هذه المرْكبة صُنِّعَت لِتَسير على طريق مُعَبَّد، فإذا سارَت في طريق وعْر لم تقْطف ثِمارها، وتَكَسَّرَتْ، فهذه المركبة لهذا الطريق.
الموجودات لا بدّ أن تنتهي إلى واجب الوُجود:
أيها الإخوة، العِلْم بِثُبوت هذين الوَصْفَيْن مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر، وكُلُّكم يعْلم أنَّ هناك خالِقاً، وهناك ما سِوى الخالق، فما سِوى الخالق هي الموجودات، من كون وسماوات –
قال: فإنّ الموجودات لا بدّ أن تنتهي إلى واجب الوُجود بِذاته قطْعاً للتَّسَلْسُل،
فما معنى هذا الكلام؟ يعني إذا قلنا: مَن خلق هذا الكون؟ قلنا: خلقه إلهٌ، ومن خلق هذا الإله؟ خلقه إلهٌ آخر، ومَن خلق هذا الآخر؟ حلقة مُفْرَغَة، ونقع فيما يُسَمَّى التَّسَلْسُل غير المُتناهي، فلا بدّ إذًا أن نقْطع هذا التَّسَلْسُل، وهكذا يُقِرُّ العقل أنَّ برهان التَّسلسل يعني أنَّهُ لا بدّ في النِّهاية من خالقٍ لا يحْتاج إلى مَن يخْلُقُه، وما سِوى ذلك مَخْلوقون، هذه الموجودات يجب أن تنْتهي إلى واجب الوجود بِذاته، مثل أقرب من ذلك أن نقول: من أين هذه البيضة؟ من الدجاجة، ومن أين هذه الدجاجة؟ من البيْضة، ثمَّ نبقى نُكَرِّر هذا الحدث، فلا بدّ أن ننتهي إلى أنَّ هناك دجاجة خلقها الله مباشرةً هي التي أخْرجت بيْضةً، والدجاجة هي التي خرجت من هذه البيْضة أما أن نسْتمِرّ إلى ما لا نِهاية، فهذا تَسَلْسل غير متناهٍ، فلا بدّ من قَطْع هذا التَّسلْسل، والعقْل لا يقبل تسَلْسُلاً لا نِهائيًّا، فالتَّسلْسُل حاصِل، أما التَّسلسل اللانِهائي فمَرْفوض.
واجب الوُجود بِنَفْسِه لا يقبل العَدَم، فلا يُمكن أن يسْبقه عَدَم:
قال: فإنَّنا نُشاهد حُدوث الحيوان أمام أعيُنِنا، فالذي عنده هِرَّة قد يسْتيْقِظ أحْياناً، وقد ولَدَتْ له هرر كثيرة، وكذا النبات، وحوادِث الجوّ كالمطر، وغير ذلك، وهذه الحوادِث وغيرها – دَقِّقوا – ليْسَتْ مُمْتَنِعَة إنَّما هي مَوْلودة، هناك حيوان يولد، ونبات ينْبت، ومطر ينزل، وبُحَيْرة تتشَكَّل، ونَهْر يُشَق، وبئر يُحْفَر، إذاً هناك موجودات، وهذه الموجودات ليْسَت ممْتَنِعة أي يُمْكن أن توجد، فإنَّ المُمْتَنِع لا يوجد، فلو أنَّها كانت ممتنِعة لم تكن موجودة، فمادامتْ ليْست ممتنِعَة فهي موجودة وليْسَت واجِبَة الوجود لِنَفْسِها، فأيّ شيءٍ موجود إلا أنّه لا يسْتطيع أن يخْلق ذاته بِذاتِه، فإذا قلنا ممتَنِعة أي غير موجودة، وإذا قلنا موجودة معنى ذلك أنَّها لا توجد بِذاتِها، قال: فإنّ الممتنِع لا يوجد، وليْسَت واجبة الوُجود بِنَفْسِها، فإنَّ واجب الوُجود بِنَفْسِه لا يقبل العَدَم، فلا يُمكن أن يسْبقه عَدَم، وهذه الأشياء كانت مَعْدومة ثمَّ وُجِدَت، فَعَدَمُها ينْفي وُجودها بِنَفْسِها، ووُجودها ينفي امْتِناعُها، وما كان قابلاً للوُجود والعَدَم لم يكن وُجوده بِنَفْسِه، إذاً ما سِوى الله تعالى موجود، وليس مُمْتَنِعًا، وما سِوى الله تعالى موجودٌ، ولكن ليس بِذاتِه، والسَّبب أنَّهُ سبقه عدم، ولو كان هذا الموجود واجِباً بِذاته لما سَبَقَهُ عَدَم!
كما قال تعالى:
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)
[سورة الطور]
هذه الآية النَّيِّرَة والمُشْرِقَة والواضِحَة الدلالة، هل هم أوْجَدوا ذاتهم بِذاتِهم؟ لا،
الموجود يحتاج إلى واجب الوجود قَطْعاً للتَّسَلْسُل:
فهذا الموجود يحتاج إلى واجب الوجود قَطْعاً للتَّسَلْسُل، وهذا الموجود لا يُعقل أنَّهُ وُجِدَ بِذاته والدليل أنَّهُ لا يسْبِقُهُ عدم، إذاً كلّ هذا الكلام الذي غاص فيه المُتَكَلِّمون مُلَخَّصُه قوله تعالى:
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)
[سورة الطور]
أَحَدَثوا من غير مُحْدِث، أم هم أحْدثوا أنفسهم؟ والمعلوم قطْعاً أنَّ الشيء المُحْدَث لا يوجِدُ نفْسه فالممكن الذي ليس له من نفْسه وُجود ولا عدم لا يكون موْجوداً بِنَفْسِه بل لا بدّ من جِهَةٍ توجِدُه، وإلا كان معْدوماً، وكلُّ ما أمكن وُجوده بَدَلاً من عدمه، وعدمه بَدلا من وُجوده، فليس له من نفسِه وُجودٌ ولا عدم لازِمٌ له، فالكون موجود وليس مُمْتَنِع، ولكنَّ هذا الوُجود ليس بِذاتِه إذاً هذا الموجود لا بدّ له من واجب الوُجود قطْعاً للتَّسَلْسُل، وهذا الكلام يندرج كلَّه تحت قوله تعالى:
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)
[سورة الطور]
أحياناً يُغرم الإنسان بِكُتب بعيدةٍ في منهجها عن منهج الله تعالى،
يقول الله عز وجل:
(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)
[سورة الفرقان]
لذلك فالإنسان إذا وُفِّق إلى اتِّباع منهج القرآن في العقيدة فقد وُفِّقَ:
أوَّلاً: إلى عقيدَةٍ صحيحة، ثانِياً: واضِحَة، ثالثاً: بسيطة، رابِعاً: يُمكن أن يحْفَظَها من دون تَعْقيد.
القديم ليس من اسماء الله الحسنى:
الله سبحانه وتعالى أوَّلٌ بلا بِداية، والآخر بلا نِهاية، علماء الكلام اصْطَلَحوا على تَسْمِيَة هذه الصِّفة في ذات الله عز وجل أنَّهُ تعالى: القديم، لكن ينبغي أنْ تعْلموا أنّ اسم القديم ليس من الأسْماء الحُسنى التي وَرَدَت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ليس كلّ فعْل من أفعال الله عز وجل لنا الحقّ أن نسْتنبط منه اسْماً من أسْمائه عز وجل.
كلمة القديم في اللغة:
أيها الإخوة تَعالَوا إلى لُغَة العرب، ألم يقل الله عز وجل:
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
[سورة الزخرف]
ماذا تعْني هذه الآية؟ وماذا تعْني الآية الأخرى:
(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)
[سورة الشعراء]
معنى ذلك أنَّ هذا القرآن نزل بِلُغَة العرب، وينبغي أن يُفْهَمَ وَفْق لُغَة العرب، لذلك التَّمَكُّن من لغة العرب أحد الأدوات التي لا بدّ منها لِفَهْم كلام الله عز وجل، (القديم) في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المُتَقَدِّمُ على غيره، فيُقال قديمٌ للشيء العتيق، وهذا حديثٌ للشيء الجديد، ولم يُسْتعْمل هذا الاسم إلا في المُتَقَدِّم على غيره، لا فيما لم يسْبِقْهُ عَدَم،
قال الله عز وجل:
(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
[سورة الحديد]
فكَلِمَة أوَّل أصَحُّ من كلمة قديم، فالقديم في اللُّغة هو الشيء المُتَقَدِّم على غيره، فالله عز وجل لم يسْبِقه عدم، لكن أيُّ شيء جاء قبل شيء نقول: هذا قديم، وهذا جديد، والدليل قوله تعالى:
(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)
[سورة يس]
العُرْجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فقد يبقى عرجون النَّخل إلى العام القادم، ويظهر عرجون جديد، فنُسَمِّي الأوَّل قديماً، ونُسَمِّي الثاني جديداً، فمعنى القديم الشيءُ الذي تَقَدَّمهُ شيء،
قال تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)
[سورة الأحقاف]
أي مُتقدِّم في الزمان،
قال تعالى:
(قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ)
[سورة الشعراء]
فالأقْدمي مبالغة في القِدم،
قال تعالى:
(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)
[سورة هود]
فالقدَم سُمِّيَت قَدَمًا لأنَّها مُتَقَدِّمة، وكلكم يعلم أنَّهُ في اللغة العربيَّة شيء اسمه التَّثْليث ؛ وهو أن تقول: قَدَمَ وقَدِمَ وقَدُمَ، فمعنى قَدُمَ أصبحَ قديماً، ومعنى قَدِمَ أي حَضَر، ومعنى قَدَمَ أي أنَّهُ سبقه بِقَدَمِه،
فقوله تعالى:
(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)
أي يتَقَدَّمهم،
هذا أقدم من هذا، وهو يَقْدُمه، ومنه سُمِّيَت القَدَمُ قدَماً لأنَّ الإنسان يتَقَدَّمُ بها،
الله هو الأول:
وأما إدْخال اسم القديم في أسماء الله تعالى فهو مَشْهور عند أهل الكلام، ولا ريْب أنَّهُ إن كان مُسْتعْمَلاً في نفْس التَّقَدّم فإنَّ ما تَقَدَّم على الحوادِث كلِّها هو أحقُّ بالتَّقَدُّم، لكنّ أسماء الله تعالى هي الأسْماء الحُسْنى التي تَدُلّ على خُصوص ما يُمْدح به، والتَّقدُّم في اللغة مُطْلقٌ، ولا يخْتَصُّ بالتَّقدم على الحوادِث كلِّها فلا يكون من أسْماء الله الحُسْنى القديم ولكنّ الأوَّل، وهو أحْسَنُ من القديم لأنَّهُ يُشْعِرُ بأنَّ ما بعده آيِلٌ إليه وتابِعٌ له بِخِلاف القديم، والله تعالى له الأسْماء الحسْنى.
الله دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد:
قوله: لا يفْنى ولا يَبيدُ إقْرارٌ بِدَوام بقائِه سُبْحانه وتعالى، من أين أخذْنا هذه الحقيقة في عِلْم التوحيد؟
قال تعالى:
(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)
[سورة الرحمن]
وقوله تعالى:
(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)
[سورة الرحمن]
لماذا في الأولى وَجْهُ رَبِّكَ ذو، وفي الثانِيَة تبارك اسمُ ربِّك ذي ؛ هنا السؤال؟! لأنَّ الوجه ذات، بينما الاسم عرض، فنحن نَصِفُ الذات من الوجْه، أما اسم الله عَرَض.
الإيجاز في القرآن الكريم سَمَّاه علماء البلاغة إيجازاً غَنِيًّا، أي كُلُّ الصِّفات المُتَعَلّقَة بالله عز وجل، وكلُّ الصِّفات المتعلِّقة بِكَرَمِه، ورحْمَتِه، وإحْسانِه بِخَلْقِه إكْرامٌ، فَبِهاتين الصِّفَتَيْن جَمَعْنا صِفات العَظَمة والإحْسان.
والفناء والبَيْد مُتقارِبان في المعنى، والجمع بينهما في الذِّكْر للتأكيد، وهو أيضاً مُقَرَّر بقوله: دائِمٌ بلا انتِهاء، لا يفْنى ولا يَبيدُ.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة

المشاركات الشائعة