‏إظهار الرسائل ذات التسميات توحيد اللّه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات توحيد اللّه. إظهار كافة الرسائل


بسم الله الرحمن الرحيم... 

السعادة بالقرب من الله والشقاء في البعد عنه:
أيها الأخوة المؤمنون… من الحقائق المقطوع بها أن كل السعادة في القُرب من الله، وكل الأمن والطمأنينة في طاعته، وكل الرضا بقضائه وقدره مِن خلال مَعْرِفته، وكل التفاؤل في المستقبل مِن خلال تعلُّق الأمل به.
الله هو كل شيء، عنده السعادة، وعنده الأمن، وعنده التوفيق، وعنده الرضا، وعنده كل ما تطمح إليه،
وفي البُعد عنه كل الشقاء، وكل الإخفاق، وكل الإحباط، وكل القلق، وكل التشاؤم، حقيقةٌ وحيدةٌ هي الله، كل شيءٍ يقرِّبك مِنه هو تمام العقل، والهدى، والتوفيق، والصواب، والتفوّق، والفوز، والفلاح.
كل شيءٍ يحجبك عنه، هو عين الخطأ، والخلل، والانحراف، والشقاء، والهلاك.
إذاً السعادة في القرب، والشقاء في البعد، السعادة في الطاعة، والشقاء في المعصية، الأمن في الطاعة، والخوف فـي المعصية، التوفيق في الطاعة، والتعسير فـي المعصية، هذه حقيقةٌ مقطوعٌ بها، هذه الحقيقة ينبغي أن تكون أمام عين كل مؤمن،
من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى
فحالة الإنابة إلى الله، حالة الصُلح مع الله، حالة الإحساس بطاعة الله، حالة أن تكون في ظل الله، حالة أن تكون مُخلصاً لله، هذه حالةٌ لا تعدلها حالة، ولا يعلو عليها أيّة حالةٍ يملِكها الإنسان، وحالة البُعد، والمخالفة، والمعصية، والجفوة، والانحراف، هو الشقاء بعينه.
ولا تنسوا أيها الأخوة، أن كل إنسانٍ على وجه الأرض، الآن صار عدد بني البشر ستة آلاف مليون، تأكّدوا أن ستة آلاف مليون جميعاً لهم هدفان أساسيان: السلامة والسعادة. والسلامة والسعادة تتحققان فـي طاعته، وفي الإقبال عليه، وفي القُرب منه، وفي الإنابة إليه، وفـي إقامـة حدوده، وفـي المبادرة إلـى خدمة خَلْقِه، والشقاء، والقلق، والخوف، واليأس، والضجر، والملل، والسأم في البعد عنه.
حالك مع الله:
أيها الأخوة… أنت من خلال التجربة مع الله ألا تعلم ما الذي يبعدك عن الله؟ متى تُحجَب عنه؟ متى تشعر بالجفوة منه؟ متى تشعر أنك قريبٌ منه؟ ألا تشعر؟ إذا كان الإنسان لا يشعر فهذه مشكلة كبيرة جداً، قال العلماء:
المنافق يعيش أربعين سنة بحال واحد، أما المؤمن يتنقّل في اليوم الواحد أربعين حالاً
أليس هناك عمل أبعدك عن الله؟ قمت لتصلي فرأيت الطريق غير سالك؟ أليـس هناك عملٌ قربك إلى الله؟ ماذا تشعر عقب إنفاق المال؟ ماذا تشعر عقب أداء الصلاة المتقنة؟ ماذا تشعر عقب قراءة القرآن؟ ماذا تشعر إذا كنت صادقاً، إذا رحمت إنسـانـاً، إذا أنصفت إنساناً، إذا أمـرت بالمـعروف، إذا نهيت عن المنكر، إذا أكرمت ضيفاً، إذا لبّيت دعوةً، إذا نطقت بالحق؟
فمن اللازم بعد زمن من إلتزامك، أن تشعر أنه صار لديك مقياس حساس: هذا العمل جعلني أقبل، أما هذا العمل فجعلني أحجب عن الله عز وجل.
قال لي أخ: صار عنده إطلاق بصر نوعاً ما في عمله، هذا الإطلاق للبصر حجبه عن الله عز وجل، فلما عاد إلى غض البصر، شعر باتصالٍ بالله عز وجل.
أخوتنا الكرام، أنا أخاطبكم واحداً واحدا: ألم يصبح عندك نوع مـن الميزان، ما الذي يقربك وما الذي يبعدك؟ ما الذي يسعدك وما الذي يحجبك؟
أشياء تحجب عن الله:
1. حجاب فساد العقيده:
أضع بين أيديكم نموذج من هذه العقائد الفاسدة:
إذا اعتقد المرء أن الله عز وجل خلق الإنسان، وكتب عليه الكفر، وأجبره على أن يعصيه، وأماته كافراً، وجعله في جهنم إلى أبد الآبدين، مـن دون سببٍ مَن العَبد، لأن الله عز وجل (كما يتوهَّم) يقول: لا يسأل عـما يـفعل، وعدلـه غير عدلنا، وقبضةٌ إلى الجنة ولا أبالي، وقبضةٌ إلى النار ولا أبالـي، والإنسان حينما يخلق يكتـب أجلـه، ورزقه، وشقيٌ أو سعيد، وانتهى الأمر، ولكـن فيمَ العمــل؟ اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خُلِقَ لـه،
إنسان أمام هذه العقيدة الجَبْريّة، أمام الشعور أن الله عز وجل قدّر على إنسان أن يكون كافراً دون سببٍ منه، وأجبره على أن يشرب الخمر وأن يزني، ثم أماته كافراً، ثم وضعه فـي نارٍ إلى أبد الآبدين، فماذا تفعل؟ مثل هـذه العقيدة تُحجبك عـن الله قطعاً،
أكبر حجابٍ بينك وبين الله أن تسيء الظن به..
(الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ)
[سورة الفتح: من آية: 6]
(يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)
[سورة آل عمران: من آية: 154]
هذا أكبر حجاب عن الله، لذلك أخطر شيء في حياة المسلم عقيدةٌ فاسدة، تَلَقَّفها دون أن يمحّصها، تلقفها دون أن يدقق فيها، لهذا العلماء قالوا:
لا يمكن أن تقبل العقيدة تقليداً
ولو قُبِلَت العقيدة تقليداً لكـان كل أهل الفرق الضالة معذورون عند الله، لأن العقيدة، لابد أن يكون أساسها صحيحاً سليماً، أمـا أن تقول: يا ربي فلان قال لي كذا فصدقته، لا ثم لا..
قال تعالى:
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
[سورة محمد]
لم يقل سبحانه: فقُل. بل قال: فَاعْلَمْ.
أيها الأخوة… أكبر حجابٍ بينك وبين الله سوء الظن به، بل إن أكبر معصيةٍ على الإطلاق تفوق الإثم والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والكفر، والشرك، أن تقول على الله ما لا تعلم، بل قال العلماء:
إن العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون مِن أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم..
قال ابن عمر رضي الله عنه:
دينكَ دينك إنه لحمك ودمك
[من كنز العمال: عن ابن عمر]
هناك قصص لها فعل الكُفر تماماً، هـناك قصص تؤكِّد فحواها أن الله ليس بحكيم، وليس بعادل، أكبر حجابٍ بينك وبين الله أن تسيء الظن به، أكبر حجاب بينك وبين الله أن تظن به ظن الباطل..
(يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)
[سورة آل عمران: من آية: 154]
هذا أكبر حجاب، لذلك صححوا عقيدتكم، واعلم أن الله عز وجل كامل كمالاً مطلقاً، ولا تَقبل عليه ظلماً،
تجده يقول لك:
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)
[سورة الشمس]
والله بين تفسيرين ما بين الكفر والإيمان، إذا فهمت أن الله خلق في النفس الفجور، فو الله هذا كفر، أما إذا قلت إن الله فطرها فطرةً تعرف فجورها من تقواها ذاتياً، فهذا كمال، هذا عين الكمال، أعطاك مُشْعِر ذاتي، لا تحتاج إلى مَن يُعَلِّمك، حينما تخطيء تدرك أنـك مخطيء مباشرةً، ذاتياً.
أحياناً يقول لك: المؤمن يدخل الجنة وإن زنا وإن سرق، يفهمها بعض الناس، وإن يزني لا، لكنها: وإن زنا، إذا كان قد زنا في الماضي، في جاهليته وتاب الله عليه، يدخل الجنة، يفهمونها ولو كان زانياً يدخل الجنة، مسافةٌ كبيرة جداً
قال تعالى:
(وَلَا يَزْنُونَ)
[سورة الفرقان: من آية: 68]
فكل ظنٍ سيّءٍ بالله عز وجل، يحجبك عن الله، كل عقيدةٍ فاسدةٍ تحجبك عن الله، كل اتهامٍ لله ضمنيٍ بالظلم أو عدم الحكمة يحجبك عـن الله، حسن الظن بالله ثمن الجنة..
(الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ)
[سورة الفتح: من آية: 6]
2. حجـاب الشرك:
والشرك كما تعلمون، شركٌ جليٌ وشركٌ خَفِيّ، من يعبد إلهاً صنماً هذا شركٌ جليٌ.
فقد كنت في أمريكا، فأخذني صديقٌ لي إلى معبد لإحدى الطوائف، معبد ضخم جداً، يقع في ضاحية من ضواحي لوس أنجلوس، المدخل مخيف، أقواس، وزخـارف رائعة جداً، وفي صدر هذا البناء غرفةٌ فيها صَنَمٌ كبير، مصنوع من البرونز، وقد طُعِّم بالذهب الخالص، وامتلأ صدر هذا الصنم بالألماس، من أرقى أنواع الألماس، فهذا الصنم وحده كَلَّف ملايين مملينة وصنمان آخران، ورأيت واحداً من أتباع هذا الدين، ينبطح على الأرض بكامله، انبطاحاً كاملاً، فهذا هو السجود لهذا الصنم، وقيل لي إن بعضهم مثقفون، ورأيت في مدخل هذا المعبد كسارة لجوز الهند، سألت: لماذا هذه الكسارة؟ قال: هذه لأن الإله يحب جوز الهند، تكسر له حبات جوز الهند، وتقدم له مساءً يأكلها بالليل. هذا الصنم من البرونز يأكل بالليل، هذا اسمه شرك جلي.
أما المليار ومئتا مليون مسلم، قد لا ينجو إلا قلة منهم مِن الشرك الخفي،
قال تعالى:
(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)
[سورة يوسف]
لمجرد أن تعتمد على إنسان مِن دون الله، لمجرد أن تضع أملك بإنسانٍ مِن دون الله، لمجرد أن تتوهم أن زيداً يرفعك، وعُبيداً يخفضك، وأن فلاناً يرزقك، وأن عِلاناً يحرمك، هذا شرك..
أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوةٌ خفية وأعمالٌ لغير الله
هذا حجاب الشرك، فالتوحيد التوحيد..
(فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ)
[سورة الشعراء]
والشـرك الخفي مخيف، وعقابه أليمٌ وشديد، لأن الله يؤدّب من أشرك به، وقد يُحْبِطُ عمله.
الشرك الخفي. معتمد على إنسان، وقد تعتمد على مالك، ومَن اعتمد على ماله ضَل، وقد تعتمد على خبرتك، وقد تعتمد على ذكائك، وقد تعتمد على أتباعك، وقد تعتمد على نَسَبِك، وقد تعتمد على رصيدك في البنك، كله شركٌ خفي، ينبغي أن تعتمد عـلى الله، وقد تعتمد على إنسانٍ قوي، تظن أنك في مأمنٍ حينما تتصل بـه هاتفياً، هذا أيضاً شرك، المؤمن الصادق لا يعتمد إلا على الله، فـالشرك الخفي، حجابٌ يحجبك عن الله.
المشـرك يمشي في طريق مسدود، لأن هذا الذي أشركته مع الله لا يملك لك نفعاً، ولا ضراً، ولا موتاً، ولا حياةً، ولا نشوراً، ضعيفٌ مثلك.
3. حجاب البِدَعِ القولية:
فهناك أقوال يقولها العامة ما أنزل الله بها من سلطان، ليس لها أصل في الدين..
يقول لك: الله عز وجل يعطي الحلاوة لمن ليس له أضراس. ما هذا الكلام؟ هذه بدعة قولية.
أو يقول: امش بجنازة ولا تمش بجوازة. هذه بدعة قولية ليس لها أصل.
أو يقول: سلامتك يا رأسي. أي عليك أن تنجو بنفسك ولا تعبأ بأحد. ونسوا: ومن لم يحمل همّ المسلمين فليس منهم.
أو يقول لك: الناس ” لا يتشاكلوا “،
الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم
[من الجامع لأحكام القرآن]
أو يقول: أنا حلفت يمين ألا أخدم إنساناً.
ولكن النبي قال:
اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله
[من الجامع الصغير: عن علي]
آتيكم بأقوال كلها بدع قولية، بدع قولية ما أنزل الله بها من سلطان كلام غير صحيح، كلام غير متوازن..
يقول لك: طاسات معدودة بأماكن محدودة. فهذا الإنسان شارب الخمر ليس له ذنب، مقدر عليه أن يشرب الخمر عدد مـن الطاسات بمكان محدد، هذه كلها بدعٌ قوليةٌ تحجب عن الله عز وجل.
هذا كلام فارغ، البدع القولية تحجب عن الله عز وجل. تجعل الإنسان أنانياً، منافقاً، شديد الخوف، جباناً، هلوعاً، منوعاً، جذوعاً.
أو يقول: خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود. أيْ إياك أن تنفق.
أو يقول: الدراهم مراهم.
فهذا شرك خفي، قالها واحد، فأذاقه الله مصيبة والله تدع الحليم حيران، ولا تحل بالمال، وهـو غني جداً، قال: الدراهم مراهم، ينحل كـل شيء بالدراهم. قعد بالزنزانة ستين يوماً، تفضل حلها بالدراهم، ما دام معك أنت مراهم، هذه كلها بدعٌ قولية تحجب عن الله عز وجل.
4. حجاب البدع العملية:
ليس هناك اتفاق بين الزوجين، نحضر ملح، نذوبه بالماء، ونسكبه بطريقهم.
أو تحضر بقلة، وتسلقها، وتتغسل فيها، فيصبح ود بين الزوجين والله المجتمع ممتلئ بالبدع العملية.
إذا مات أحدهم :راقب، أول خميس، وثاني خميس، وثالـث خميس، والأربعين والسنوية، وثـلاثة سنوات وأخته لابسة أسود، أعمت قلب زوجها، ثلاث سنين تلبس الأسود، هذه كلها بدع، لا يحل لامرأةٍ أن تحد على غير زوجها أكثر من ثلاثة أيام، الزوجة موضوع ثانٍ، فهذه طقوس الحزن.
هذا حال الناس، هذه بدع عملية ما أنزل الله بهـا من سلطان، بالحفلات، بالأعراس، بالمآتم، بالمآسي، بالسفر.
يجب أن يضع حذوة حصان على ظهر السيارة، وإذا وضع حذوة فلا على السيارة من بأس ولو على ركابها يضع مصحف بالسيارة ويسب الدين، ما هذا المصحف الذي تضعه؟ مئات بل ألوف البِدَع العملية تُهَيْمِن على المسلمين، وهي تحجبهم عن الله عز وجل،.
5. حجاب أهل الكبائر الباطنة:
لديهم كبر، هـناك كبائر باطنة غير ظاهرة، الشعور أنك وحدك المُهْتَدي، وأن الله لك وحدك، وأن الجنّة لك وحدك، وأن كل هؤلاء الناس الذين ليسوا عـلى شاكلتك، ضالون، ضائعون، مصيرهم إلى النار، هذه أكبر بدعة باطنة، من الكبائر الباطنة: أن تتوهم أنك وحدك الناجي، وأن تسيء الظن بالناس، وأن تقول: هلك الناس،
من قال هلك الناس فهو أهلكهم
أيْ هو أشدهم هلاكاً، أو هو الذي أهلكهم وهم ليسوا كذلك، فهو أهلكَهم، أو أهلكُهم.
أهل الكبر. وهو في طاعة الله متكَبِّر، حـتى قال الإمام ابن عطاء الله السكندري:
رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً
فيه كبر، وفيه عُجب، الكبر على الآخرين، أمـا العُجْب: يتيه بنفسه، فيه رياء، فيه حسد، فيه فخر، و خُيَلاء، و اعتزاز بقيم جاهلية: أنا ابن فلان. خير إن شاء الله.
دخل على النبي رجل أصابته رعدة من شدة هيبته، قال:
هون عليك إنما أنا ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد بمكة
[من الدر المنثور: عن جرير]
ما قال له: أنا هاشمي، من بني عدنان، جدي قصي، قال له:
هون عليك إنما أنا ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد بمكة
لديه خيلاء بالنسب، وخيلاء بالمال، أنا أكثر منك مالاً وأعز نسباً يقول لك: أنا عندي أموال لا تأكلها النيران، وربنا عز وجل له حِكَم كبيرة جداً…
شخص لـه عمل تجاريّ وعمله رائج جداً، طلبات وبيع، وشراء، ملايين بين يديه، جاءه مهندس، مؤمن، شاب منضبط، يخطب ابنته، كَشَّر، وقال له: كم دخلك في الشهر؟! أعطاه رقماً جيداً جداً، قال له: هذا لا يكفي ابنتي يوماً واحداً، فطرده بأن قال له: ليس لك عندنا اليوم نصيب.
والله أحد إخواننا حدثني بقصته وهو قريب له. قال لي: بقدرة قادر توقف عمله، وهو طالب طلبات وعليه التزامات مالية فلكية، وتوقف عمل المعامل، ومُنع من بيع بضاعته، وأفلس. وعاود هذا الخاطب المحاولة مرة أخرى وخطب ابنته، وتزوجها، واشتغل عمه عنده محاسباً، وخلال سنتين، تحوّل من ملايين مملينة بين ديه، ومـِن كِبر فيه إذ رفض خاطب ابنته المؤمن، الطيب، المتواضع المهندس، ثم أصبح يعمل عند صهره محاسباً، فالله كبير.
فهذه عاقبة الكبر، هذا حجاب أهل الكبائر الباطنة، الكبر، العُجب، الرياء، الحسد، الفخر، الخيلاء، التوهّم أنك فوق الناس، الناس كلهم ضائعون، هذا كبر، هذا عجب، هذه كبائر باطنة تحجب عن الله عز وجل، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ مِن كبر.
ذكرت مرة من باب الطرفة: أن الإنسان يأتيه ضيوف أحياناً، يأتيه عشرون رجلاً مثلاً، ولا يوجد عنده شيء لضيافتهم، فوجد في البراد كيلوين من اللبن، فقال لزوجته: ضعي خمسة أمثالهما ماءً وملحاً وضعي ثلجاً ليصبح “عيران”، لكيلوين مـن اللبن أُضيف لهما عشرة كيلو من الماء، هذا شراب لذيذ، والعيران شيء طيّب، هذا من الكيلوين من اللبن لو أصابهما نقطة بترول، نقطة زيت كاز، هل يشربان؟ لا، لكنهما قبلا خمسة أضعافهما ماءً، وكذلك الكبر يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل.
فالذي عنده كبائر باطنة، كالكبر، والعجب، والرياء، والحسد، والفخر، والخيلاء، والتوهم أنك على الحق وحدك والناس كلها ضائعة، هذا أيضاً حجابٌ يحجبك عن الله عز وجل.
6. حجاب أهل الكبائر الظاهرة:
أيْ له مخالفات، لكن العجيب أن حجاب أهل الكبائر الظاهرة رقيق، وحجاب أهل الكبائر الباطنة ثخين، أيهما أهون؟ الكبائر الظاهرة أهون، معصية واضحة، يتوب منها الإنسان، أما الكبر جبلّة في النفس، شعور مستمر، أخطر ذنب هو الذنب الذي لا تعرفه ذنباً، أخطر مرض هو المرض الذي ليس له أعراض، أخطر ذنب، هو الذنب الذي لا تشعر به، يتسلل خفية، لذلك الكبائر الباطنة قلّما يتوبُ صاحبها، لأنه يتوهّم أنه على حق، أمـا الكبائر الظاهرة، سُرعان ما يتوب صاحبها، ليست مشكلة، إنسان نبهه بأن فيه كبر فيتوب، حجاب أهل الكبائر الظاهرة. قال: حجابهم أرق من حجاب إخوانهم، من أهل الكبائر الباطنة مع كثرة عبادتهم، عبادة كثيرة جداً وكثيفة جداً، وقوية جداً، مع مكبر باطن، صاحبها أبعد عن الله عـز وجل مِن إنسان عباداته متوسطة، بسيطة، لكن عنده تواضع لله عز وجل.
قال: أهل الكبائر الظاهرة أدنى إلى السلامة مِن أهل الكبائر الباطنة وقلوب أهل الكبائر الظاهرة خيرٌ مِن قلوب أهل الكبائر الباطنة.
على كل حال كبائر، ظاهرة وباطنة، وشرك، وبدع قوليةٌ، وبدعٌ عملية، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار، أما أن يُحْجَبَ الإنسان عن الله عز وجل للصغائر، فهذا مغبون جداً.
قال له: تحلف يميناً على أنك شهدت شيئاً لم تشهده؟ قال له: أحلف، ولكن أريد خمسة آلاف. قال له: لا بأس، أعطيك خمسة آلاف، جاء للمحكمة فوجد مصحفاً أمام القاضي، قال له: ضع يدك على هذا المصحف. فوقف دقيقة، ثم جاء للموكل قال له: أريد عشرة آلاف، لأنني سأحلف يميناً، على المصحف، هذه أغلى. فالحلف على المصحف كبيرة تحجب الإنسان عن ربه.
7. حجاب أهل الصغائر:
يقول عليه الصلاة والسلام:
إن الـشيطان يئس أن يعبد في أرضـكم ولكن رضي فيما دون ذلك، مما تحقرون من أعمالكم
يصـافح امرأة، ويقول: هل ستأكلني؟ لا ليست ستأكلك، مرة جاءني سؤال من أخت في أمريكا، تقول: لماذا المصافحة حرام؟ قالت: نحن نُحْرَج كثيراً في أعمالنا، قضية عدم المصافحة مشكلة كبيرة في حياتنا، فلماذا هي حرام؟ وماذا ينتج لو أننا صافحنا؟ أجبتها جواباً دعوياً لا جواباً شرعياً، قلت لها:
فيما أعلم أن الملكة ” أليزابث ” لا يمكن أن يصافحها إلا سبعة رجال لنص القانون البريطاني، لأنها ملكة، ولعلو مقامها، لا يمكن أن يصافحها كل الرجال، بـل سبعة رجال محدودون، بحسب النظام والقانون البريطاني، والمرأة المسلمة ملكة، لا يمكن أن يصافحها إلا سبعة رجال بحسب القانون القرآني
أحياناً يأتي القاضي إلى بيت المرأة المسلمة ليستمع إلى شهادتها، المرأة مُعَظَّمة جداً في الإسلام، مكرمة جداً، لكن المسلمين حينما جهلوا حقيقة دينهم ظلموا المرأة، فلما استعملوا الطلاق التَعَسّفي استعمالاً ظالماً، وهدّموا بيوتهم، أو امتنعوا عن تطليقها للإضرار بها، ولهذا الموضوع بحث طويل، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني أن أعالجه في دروسٍ قادمة.
هذه الصغائر حجاب أيضاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
لاَ صَغِيَرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ
[من زيادة الجامع الصغير: عن أنس]
فأوضح مثل للصغيرة: أنت راكب سيارة، والطريق عريض جداً، عرضه ستين متراً، عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، فإذا أنت ركبت مركبة، وثبَّت المقود بانحراف قدره ميلي واحد، ففي النهاية على الوادي، الميلي صغيرة، ولكن لو ثبتها على الوادي، الكبيرة تسعين درجة فجأةً، على الوادي مباشرة.
لاَ صَغِيَرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ
[من زيادة الجامع الصغير: عن أنس]
لـو أدرت المقود تسعين درجة، ثم انتبهت، فأرجعته فقد أدركت نفسك وأنقذتها من الخطر، الطريق عريض وأدركت السلامة، إذاً حجاب أهل الصغائر.
إن الـشيطان يئس أن يعبد في أرضـكم ولكن رضي فيما دون ذلك، مما تحقرون من أعمالكم
يرونها ذنوباً صغيرة فهم مقيمون عليها،
أن تملأ عينيك من الحرام، وأن تظن هذا من الصغائر، أن تكذب كي تُضْحِك الناس وتظن أن هذا من الصغائر، أن تقلِّد إنساناً في مشيته وفي حركته، أن تقلِّد امرأةٌ امرأةً هذا كله يحجب عن الله قالت له: فلانة قصيرة، قال
يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مزجت بمياه البحر لأفسدته
فالصغائر تحجب أيضاً.
8. حجاب أهل التوسع في المُباحات:
من فترة قريبة كنت في تشييع جنازة، وقفت أمام القبر، قلت: سبحان الله، الإنسان منا ليحاسب نفسه هل يحتاج هنا إلى معجونة للقبر أو تحتاج إلى تصليحة فيه، أنت عندك رغبة بالكمال، ولكن ضع في حسابك أن هذا القبر نهاية المصير أرجوكم هل يوجد قبر من نوع خمس نجوم؟ والله ما سمعت بقبر خمس نجوم، ولا أربع ولا ثلاث، ولا نجمان ولا واحد، ولكن هناك نجوم الظهر، يدفن ساعة وجودها. و القبر صندوق العمل.
إذاً عند كثيرين منا حجب وهي التوسع بالمباحات ليس عندنا أية معصية، ولا صغائر، ولا كبائر، لا كبائر باطنة، ولا كبائر ظاهرة، ولا بدع عملية، ولا بدع قولية، ولا شرك، ولا عقيدة زائغة، كله والحمد لله. كامل ولكن توسع بالمباحات، عندما يئس الشيطان من هذا الإنسان أن يحمله على الكفر، وجد عنده إيماناً بالله قوياً، فلما يئس أن يحمله على الشرك ورأى أن توحيده قوي، فلما يئس أن يحمله على الكبائر وجد عنده استقامة، فلما يئس أن يحمله على الصغائر وجد عنده ورعاً، فلما يئس مِنه أن يبتدع رآه من أهل السُنّة، فلما يئس، فلما يئس بقي عنده ورقةٌ رابحة هي: المباحات.
والله أيها الأخوة، أدخل إلى بيوت بحكم التعزية، يكون قريب لأحد إخواننا يقول لك: مات خالي، مات عمي، أذهـب لكي أعزي، أجد بيتاً ثمنه سبعون مليوناً فما فوق، أين صاحبه؟ بقبر صغير.
هنالك شاب عمّر قصر على النمط الصيني كلفه خمسةً وثلاثين مليوناً دولار، وهذا كان في العام أربعة وسبعين، صاحبه توفي في الثانية والأربعين من عمره، وكـان طويل القامة، والقبر كان قصيراً لحكمةٍ أرادها الله، فلما وضع في القبر، لم يسعه القبر، فجاء الحفار ودفعه من صدره، فانثنى وتقوس، صاحب هذا القصر ينام هذه النومة في القبر، هذه حكمة مِن حِكَم الله عز وجل، فالمباحات صار الناس الآن يتوسعون بها كثيراً، وأحسبها من الحجب التي تحجب عن الله تبارك وتعالى.
9. حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خلقوا له وأريد منهم:
فأنت لماذا خلقت في الدنيا؟ خلقت لمعرفة الله، وأنت مخلوق للعمل الصالح، غفل عن سر وجوده وغاية وجوده، هذا حجاب أهل الغفلة.
10. حجاب المجتهدين الذين غفلوا عن مقاصد الدين الكبرى:
إنسان توهم أن الدين كله بهذا الشيء، فاهتم بهذا الشيء، وبالغ به، ونسي بقية فروع الدين، فقد تجد إنساناً يرى أن الدين فقط فقه، لـكن الدين عقيدة، والدين استقامة، والدين عمل صالح، الدين صلة بالله. فهو عنده أن الدين فقه فقط، لا يعرف بالدين إلا الفقه، وإنسان آخر لا يعرف من الدين إلا التجويد، والتجويد ضروري وحق، ولكنه جزء من الدين، وما هو الدين كله، إنسان آخر لا يفهم من الدين إلا الرَد على أهل الكفر، يقول لك: مفكر إسلامي ولكنه لا يصلي. فهم الدين فهماً مشوّهاً، فأخذ جانباً منه وغفل عن بقية الأشياء، هذا أيضاً محجوب.
الخلاصة:
هذه عشرة حُجُب: العقيدة الزائغة، وحجاب الشرك الخفي، وحجاب البِدَع القولية، وحجاب البدع العملية، وحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة، وحجاب أهل الصغائر، وحجاب أهل التوسُّع في المُباحات، وحجاب أهل الغَفْلَة، وحجاب المجتهدين الذين غفلوا عن مقاصد الدين الكبرى.
هذه عشرة حجب تحجب عن الله عز وجل، والسعادة كل السعادة، والسلامة كل السلامة، والأمن كل الأمن، والفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والرضا كل الرضا في طاعة الله، والقرب منه، والهلاك والشقاء بالبُعد عنه، ومخالفة أمره، فكل شيء يقرّبك مِن الله ينبغي أن تعتني به، وكل شيء يبعدك عن الله ينبغي أن تبتعد عنه.

والحمد الله رب العالمين 

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون… من معاني العبودية، العبودية الحقة سبيل إلى الحرية الحقة.
إذا عبدت الله وحده فعبادتك لله هي عين حريتك، وسبيل حقيقي إلى سياتدك، لذلك من عبد الله أصبح حراً من رق المخلوقين، من رق الشهوات، من رق النزوات، من رق الحاجات، أصبح حراً،
كن عبد الله فعبد الله حر
الإنسان بحاجه إلى إله يعبده:
أيها الإخوة المؤمنون… في قلب كل إنسان، وهذا جزء من فطرته، حاجة ذاتية إلى إله يعبده، إلى معبود يتعلق به، ويسعى إليه، ويعمل على مرضاته، فإذا لم يكن معبود الإنسان هو الله لابد من أن يتجه إلى معبود آخر، فقد يعبد نفسه، وقد يعبد هواه، وقد يعبد زيداً، وقد يعبد عبيداً، وقد يعبد هذه الشهوة،
في قلب كل إنسان حاجة فطرية ملحة إلى أن تعبد معبوداً، إلى أن تسعى إليه، إلى أن تعمل من أجله، إلى أن تبتغي رضاه، ولا يليق بالإنسان أن يعبد غير الله، لأنه هو الخالق، هو المصور، هو المبدأ هو المعيد، هو الرافع هو الخافض، هو المعطي هو المانع، هو القابض هو الباسط، هو المعز هو المذل، هو الرزاق ذو القوة المتين.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)
[سورة البقرة 21]
إما أن تعبد الله أو تعبد غيره:
يا أيها الإخوة المؤمنون… إما أن تعبدوا الله وحده وهذا الذي يليق بك، وإما أن تعبد زيد أو عبيد أو شهوة أو حاجة أو شيء من سوى الله عزوجل، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد شيئاً يرى أو لا يرى، يعقل أو لا يعقل، موجود أو غير موجود، والديانات الوثنية الأرضية التي تطفح بها البشرية الجاهلة تؤكد هذه الحقيقة، إما أن تعبد الله أو تعبد البقرة، كما هي الحال في بعض بلاد شرقي آسيا، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد صنماً، إما أن تعبد الله وإما أن تعبد شهوة، لابد وأن تتجه إلى ما تظنه أنه عظيم، فليكن هذا الذي تتجه إليه هو الله رب العالمين.
يا أيها الإخوة المؤمنون… يقول أحد العلماء:
كل من استكبر عن عبادة الله لابد من أن يعبد غير الله
إما أن تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، كل من استكبر عن عبادة الله لابد من أن يعبد غير الله، لأن الإنسان له إرادة، وهذه الإرادة تقتضي أن يكون له مراد، ما دام له إرادة فله مراد، فإذا لم يكن الله مراده فلابد من أن يتجه بإرادته إلى مخلوق ليرضيه وليسعى له، وليعمل من أجله.
فيا أيها الإخوة المؤمنون… أنت بين خيار صعب إما أن تعبد الله وإما أن تعبد غيره، أما أن لا تعبد الله ولا تعبد أحداً سواه، هذا مستحيل في فطرة الإنسان، ركبت فطرة الإنسان على التوجه إلى جهة ما على السعي لها على الطواف حولها، على إرضائها، على العمل من أجلها، فطوبى لمن عرف ربه، طوبى لمن عبده، طوبى لمن اطمأنت نفسه بذكر الله
معرفة الله هدف مصيري:
أيها الإخوة المؤمنون… الإسلام دين الفطرة، هذه النفس الإنسانية، لا تستطيع أن تسعد، لا تطمئن، لا تستقر، لا تهدأ، لا تعود إلى الدار الآخرة سالمة إلا إذا عرفت ربها، معرفة الله أيها الإخوة هدف مصيري للإنسان،
ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء
العاقل من عبد الله:
أيها الإخوة المؤمنون… ليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد الذي خلقه، أيعبد مخلوقاً من دون الله، لا ينفعه ولا يضره، أيعبد جهة من الجهات، لا تملك له نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة، ولا نشوراً، لا تستمع إليه، وإذا استمعت لا تستجيب له، أهذا يليق بالإنسان ؟ ليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد الذي خلقه، فسواه فعدله، وأن يطرح كل عبادة من سواه، وليس أجلب للسعادة
قال عليه الصلاة والسلام:
تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ
[صحيح البخاري 2673]
ويستنبط من هذا الحديث وسعد عبد الله.
العابد لله حراً من الهموم:
أيها الإخوة، ليس أشرف، وليس أجلب للسعادة، وليس أجلب للسلامة مع الضمير من أن تتوجه الهم كله إلى الله، قال عليه الصلاة والسلام:
مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ
[ابن ماجه]
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها
العابد لله حر من رق المخلوقين:
أيها الإخوة المؤمنون… ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يضرب لنا هذا المثل،
يقول الله عزوجل:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً)
[سورة الزمر 29]
لو أن رجلاً يأتمر عليه أناس عدة، هذا يأمره بكذا، وهذا يأمره بكذا، وكثيراً ما تتضارب هذه الأوامر، كثيراً ما تتناقض هذه الأوامر، ماذا يفعل ؟ أيرضي زيداً أم يرضي عبيداً، أيرضي فلاناً أم يرضي علاناً، كيف يفعل إذا جاءت الأوامر متضاربة، والتوجيهات متضاربة، ماذا يفعل ؟ كيف يتجه ؟ إلى أين يسعى، هذه الحيرة، وهذا القلق، وهذا التخبط، وهذا الصراع المؤمن معافى منه، لأنه توه إلى الله وحده، وما سوى الله بيد الله.
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)
[سورة هود 123]
إذاً من أجل أن تكون حراً من رق المخلوقين، من أجل أن تكون حراً من الشهوات المكبلة، من أجل أن تكون حراً من الصراع، من الضيق، من الحرج، من البحث لإرضاء زيد أو عبيد، يجب أن تجعل همك كله أن ترضي الله عزوجل.
(وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)
[سورة التوبة 62]
يا أيها الإخوة المؤمنون…. الإنسان إذا ترك ربه، إذا أعرض عنه صار موزعاً بين المخلوقين، صار مشتتاً، صار مبعثراً، صار ممزقاً، وقع في الصراع، ولن تستغني عن المخلوقين، إلا في حالة واحدة، إلا إذا اتجهت إلى الله رب العالمين، لن تستغني عن المخلوقين،
احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغني عنه تكن أميره
لن تستطيع أن تستغني عن المخلوقين إلا إذا اتجهت إلى الله رب العالمين، لذلك يقول الله عزوجل على لسان سيدنا داود:
(فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56))
[سورة هود]
في العبادة السعادة:
يا أيها الإخوة المؤمنون… آية في كتاب الله، آية محكمة يقول الله عزوجل:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56))
[سورة الذاريات]
والعبادة :
طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية
العبودية سبيل إلى الحرية، الحرية مطلب كل إنسان، الحرية مطلب كل مخلوق، ولا تتحقق هذه الحرية إلا بعبادتك لله عزوجل.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم... 

الأعمال التي لا ترضي الله عز وجل تحول بين المؤمن وربه:
الله عز وجل يقول:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)
[سورة البقرة الآية: 186]
الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه، أقرب إلينا من حبل الوريد، معنا أينما كنا، بل إن قيامنا به، هو قريب ولكن كيف نحن نقترب منه؟ الحقيقة المرة أن الذي يحول بيننا وبين الله أعمال لا ترضي الله والدليل:
(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
[سورة المطففين]
سلامة الإنسان و سعادته في الدنيا أن يصل إلى الله تعالى:
الله عز وجل عزيز لا يتجلى على المؤمن إلا إذا كان طاهراً، إلا إذا كان مستقيماً، إلا إذا كان ورعاً، إلا إذا كان مخلصاً، يجب أن تتهم نفسك دائماً إنك إن لم تستطع أن تتصل بالله، أنك إن لم تجد حلاوة الإيمان، إنك إن لم تجد حلاوة الذكر، إنك إن لم تجد حلاوة القرآن فاتهم نفسك هنالك:
1. إما شبهة حالت بينك وبين ثمار الإيمان،
2. أو شهوة آثرتها على طاعة الله عز وجل،
هذه الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة وضوح الشمس، إما شبهة أو شهوة، الشبهة تحجبك عن الله عز وجل، والشهوة أيضاً تحجبك عن الله عز وجل، لكن الإنسان إذا شعر بالغفلة هناك إنسان بسرعة وبجهد يسير يتصل بالله، يكون الحجاب رقيق، صغير، تقصير، وأحياناً يكون الاتصال بالله صعباً جداً، الحجاب كثيف، يجب أن تعلم علم اليقين أن كل سعادتك وسلامتك أن تصل إلى الله في الدنيا، أن تصل إليه من خلال الصلاة، أو من خلال الذكر، أو من خلال تلاوة القرآن، أو من خلال المناجاة، أو من خلال الدعاء، أو من خلال التسبيح، أو التكبير، والحمد، وما إلى ذلك.
حينما ترى حجاباً بينك وبين الله اتهم نفسك، الله عز وجل أقرب إلينا من حبل الوريد، يحول بيننا وبين قلوبنا، الله عز وجل ينتظرنا:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)
[سورة البقرة الآية: 186]
من ثمرات الاتصال بالله عز وجل:
1.نور يقذفه الله في قلب الإنسان يرى به الخير خيراً والشر شراً:
الله عز وجل يقول:
(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ)
[سورة الأنعام]
الإنسان بالبعد عن الله ميت، إذا اتصل به شعر بالحياة، الحياة الحقيقية حياة القلب، الحياة الحقيقية حياة الاتصال بالله، الحياة الحقيقية حياة أن يقذف في قلبك نور إلهي ترى به الخير خيراً والشر شراً، فالآية واضحة جداً:
(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ)
[سورة الأنعام]
قد يموت القلب والقلب يحيا بذكر الله:
(أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)
[سورة الرعد الآية: 28]
القلوب تحيا بذكر الله وتطمئن بذكر الله:
(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)
[سورة الأنعام]
أول نقطة علامة اتصالك بالله، علامة إقبالك عليه، علامة إخلاصك له، علامة استقامتك، أن الله عز وجل يكافئك بنور يقذفه في قلبك ترى به الخير خيراً والشر شراً، هذه ميزة أيها الأخوة، يصعب تصورها، لا تقع في ورطة، لا تقع في خطأ كبير يدمرك، أنت مستنير بنور الله، ترى بنور الله، وتنطق بتوفيق الله، وتتحرك وفق منهج الله، أول ثمرة من ثمار اتصالك بالله أنك تشعر برؤية صحيحة، المؤمن يملك رؤية صحيحة، المؤمن يملك رؤية صحيحة يرى الخير خيراً والشر شراً، يعني لا أقول معصوم لا ليس معصوماً، لكن إن أخطأ ففي أشياء صغيرة جداً أما أن يقع في كبيرة، أن يقع في ورطة، تودي به إلى الدمار مستحيل، لأنه يرى بنور الله، لأنه ينطق بتوفيق الله له مرجع.
أيها الأخوة، مثل بسيط أضعه بين أيديكم، مثل افتراضي، أب كبير، كبير بعلمه، باختصاصه، وبرحمته، وغني، ويحرص على تربية ابنه حرصاً لا حدود له، هيأ له أفضل مدرسة، أفضل مكتبة، أفضل أصدقاء، له غرفة خاصة يتابعه في أدق التفاصيل، ترى الطفل مهذب، الأول في مدرسته، أنيق في لباسه، انظر إلى طفل آخر لا ولي له، من مكان إلى مكان، من بناء إلى بناء، من مخفر إلى مخفر، منحرف، رث الثياب، يسرق، يرتكب الفواحش، يساق إلى السجن أحياناً، هذا لا ولي له، اسمع الآية الآن:
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ)
[سورة محمد]
لك مرجع، مرجعك الله، لك كتاب مرجعك الكتاب، لك نبي عظيم مرجعك سنته الشريفة، أنت لك مرجع:
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ)
أول حقيقة أن المؤمن إذا وصل إلى الله، واصطلح معه، وأقبل عليه، واستقام على أمره، وأخلص له، يقذف الله في قلبه نوراً يريه الحق حقاً والباطل باطلاً.
قلما يقع المؤمن في ورطة كبيرة، هذه الحقيقة الأولى، قد يقول أحدكم ما الدليل؟ الدليل هذه الآية:
(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)
[سورة الأنعام]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)
[سورة الحديد]
هذه أول ثمرة من ثمار الاتصال بالله.
2.انتقال اهتمامات الإنسان إلى الدار الآخرة:
أيضاً العلامة الثانية فضلاً عن الرؤية الصحيحة، العلامة الثانية تنتقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله ولم يؤتيه من الدنيا إلا ما قدر له
[أخرجه ابن ماجة عن الترمذي]
أول ثمرة من ثمار الوصول إلى الله: نور يقذفه الله في قلبك ترى به الخير خيراً والشر شراً، والثمرة الثانية أنه تنتقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، لذلك الإنابة إلى دار الخلود والتأهب ليوم النشور.
3.خشوع القلب عند ذكر الله:
هناك علامة ثالثة، أنا أضعكم أمام علامات دقيقة حتى الواحد يراقب نفسه، يحاسب نفسه، يفحص نفسه، العلامة الثالثة وجل القلب عند ذكر الله، الدليل:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)
[سورة الأنفال]
يبكي المؤمن، يضطرب قلبه، يخفق قلبه، إذا ذكر الله وجل قلبه يعني اضطرب، شعر برعشة، رعشة إيمانية نقلته إلى الله عز وجل، الآن من علامات الوصول إلى الله أيضاً خشوع القلب عند ذكر الله:
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)
[سورة المؤمنون]
الخشوع السكون، يعني إنسان يصلي بحركات زائدة إذا صلى خشع قلبه وخشعت جوارحه، إذا استمع إلى القرآن يخشع ويبكي، الخشوع السكون، والركون، والانبساط، الآية:
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
[سورة الحديد]
بنور يقذفه في قلبك تنتقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة قلبك يضطرب إذا ذكرت الله، جسمك وقلبك يخشع عند ذكر الله.
4.حضور القلب في الذكر والصلاة:
هناك علامة أخرى هذه العلامة حضور القلب في الذكر والصلاة، أنا لا أقول لك إنك إن صليت لن تشرد إطلاقاً لكن المؤمن في معظم صلاته مع الله، واقف بين يدي الله، يناجي ربه، يقول في صلاته سمع الله لمن حمده، يا رب لك الحمد خلقتني، هديتني، أكرمتني، سترتني، غفرت لي، في مناجاة، إن أردت أن تحدث الله فادعه، وإن أردت أن يحدثك الله فاقرأ القرآن، إذا قرأت قوله تعالى:
(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
[سورة الإسراء]
إن أردت أن يحدثك الله فاقرأ القرآن، وإن أردت أن تحدث ربك فادعه:
يا موسى أتحب أن تكون جليسي؟ قال: كيف أكون يا رب جليسك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيث ما التمسني عبدي وجدني.
كان بعض العلماء يصفون المؤمن القريب من الله كمصباح، البلورة صافية، مستودع الوقود ممتلئ، الفتيلة جاهزة، يحتاج إلى عود ثقاب، أما الإنسان البعيد البلورة مسودة، والمستودع فارغ، والفتيل محروق، فهناك جهود كبيرة جداً حتى يصل إلى الله عز وجل، يعني البطولة ألا يكون هناك حجاب بينك وبين الله، لذلك عقب العبادات تشعر أنك في حال غير الحال الآخر، عقب الصلاة في راحة، عقب الصيام في راحة، عقب الأذكار في راحة، هذه الراحة التي تأتي عقب العبادات، دليل أنك موصول بالله عز وجل.
5.من وصل إلى الله وأقبل عليه ذاق حلاوة الإيمان:
أيها الأخوة الكرام، عندنا علامة أخرى من أروع العلامات أنك إذا وصلت إلى الله، وأقبلت عليه، واستقمت على أمره، وتقربت إليه، أذاقك الله حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان شيء يصعب وصفه، يعني بالضبط بين أن تفهم بعض حقائق الإيمان وبين أن تذوق حلاوة الإيمان مسافة كبيرة جداً، كالفرق بين أن تقول ألف مليون و بين أن تنطق بها وبين أن تملكها، كم هي المسافة بين أن تقول ألف مليون بين أن تمتلكها أو أن تنطق بها؟
6.من ثمار الوصول إلى الله أن تقطف من الصلاة ثمارها:
أيها الأخوة، ثمار الصلاة الصحيحة تفوق حدّ الخيال، هل تدري ماذا تفعل؟ تتصل بالمطلق، تتصل بالعليم، تتصل بالحكيم، بالرحيم، بالقوي.
(قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)
[سورة طه]
وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ من ثمار الوصول إلى الله أن الصلاة لها ثمار يانعة جداً تقطفها، أول ثمرة أن المصلي في طهارة، صدره سليم، لا يحقد، لا يتكبر، لا يؤذي، لا يستعلي، لا يتآمر، سليم الصدر:
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
[سورة الشعراء]
قال بعض العلماء: القلب السليم القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، والقلب السليم القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، والقلب السليم القلب الذي لا يحكم شرع غير الله، والقلب السليم القلب الذي لا يعبد إلا الله:
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
من ثمار الوصول إلى الله أن تقطف من الصلاة ثمارها، طهارة ونور وحبور:
أرحنا بها يا بلال
[أبو داود عن سالم بن أبي الجعد]
الصلاة مناجاة
لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل
الصلاة عروج، والصلاة معراج المؤمن الصلاة عقل.
ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها
[ورد في الأثر]
لذلك ورد في الأثر القدسي:
ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليّ فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها
[رواه الديلمي عن حارثة بن وهب]
7.الاستمتاع بالعبادات:
أيها الأخوة، من علامات الوصول إلى الله أنك تستمتع بالعبادات، ما الفرق بين العبادات والطقوس؟ الأديان الأرضية الوضعية، فيها طقوس، فيها حركات وسكنات وتمتمات وإيماءات لا معنى لها، أما العبادات
يقول الإمام الشافعي:
العبادات معللة بمصالح الخلق
مثلاً الصلاة قال تعالى:
(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء الْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)
[سورة العنكبوت الآية: 45]
يعني مستحيل وألف ألف مستحيل أن يرتكب المصلي فاحشة أو منكراً أو أن يؤذي أو أن يستعلي أو أن يتآمر أو أن يخدع، إن الصلاة تنهى، هذه ثمار الصلاة.
(وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)
أكبر ما فيها أو إن ذكر الله لك وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، منحك الأمن، الحرية، الإرادة القوية، الرؤية الصحيحة، الحكمة، الغنى، القوة، العزة، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
لذلك أيها الأخوة، من ثمار الوصول إلى الله أن العبادة تستمتع بها، تستمتع بشهر رمضان، رمضان شهر عبادة، أما عند معظم الناس شهر فلكلور، شهر ولائم، شهر سهر على المسلسلات، أما رمضان لك من أجمل أشهر السنة، رمضان اتصال بالله، رمضان عبادة، رمضان طاعة، من علامات وصولك إلى الله أنك تستمتع بالعبادات، أحياناً إنسان يحج يعود من الحج ويحدثك عن كل شيء إلا الحج، أين سافر، أين نزل، ركوب الطائرة، الوصول على المطار، من استقبله، الماء البارد، الطعام الطيب، الازدحام الحر، وبالحج بماذا شعرت؟ وأنت في الطواف، بماذا شعرت وأنت أمام الحجر الأسود؟ بماذا شعرت وأنت في السعي؟ بماذا شعرت وأنت في عرفات؟ هذه المشكلة، أن علامة الوصول إلى الله تغدو العبادات مسعدةً، والحقيقة كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت***إنما الميت ميت الأحياء
8.بالإتصال بالله يحيا الإنسان:
الإنسان حينما يتصل بالله يصبح حياً:
(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ)
[سورة الأنعام]
(وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
[سورة فاطر]
الإنسان من دون اتصال بالله ميت، أو كالبيت الخرب، لذلك الآية الكريمة:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)
[سورة الأنفال]
دقق:
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لك فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ)
[سورة القصص]
أنت على أحد طريقين لا ثالث لهما إما أن تستجيب لله أو أن تستجيب للهوى، إما أن تكون مع الله أو مع الهوى، مع الله والدار الآخرة، مع الهوى والدنيا، إما أن تستجيب لوحي السماء وإما أن تستجيب لنداء الغريزة فذلك:
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)
[سورة الأنفال]
العاقل من راجع حساباته من حين لآخر:
أيها الأخوة الكرام، أتمنى على نفسي وأنا معكم وأتمنى عليكم أن نراجع حساباتنا من حين لآخر، أن نتأمل في صلاتنا، هل هذه الصلاة التي أرادها الله؟
أحياناً يحدثني أخ كان بالعمرة وصلى بالحرم المكي وبكى بكاء شديداً يقول لي: هذه هي الصلاة التي أرادها الله، هذه الصلاة تشعر بها كأنك ملكت كل شيء، يعني إله عظيم يدعوك إلى الصلاة خمس مرات في اليوم من أجل أن تكون واقفاً بلا معنى حركات وسكنات تبدأ بالتكبير، تنتهي بالتسليم، وأنت غارق في خواطر وفي حسابات؟ قال شخص صليت المغرب ركعتين، قال ثلاثة أكيد، قال ما الدليل؟ قال لأنه أنا عندي ثلاثة صناديق بعملي وكل صندوق فيه مشكلة، حليت بأول ركعة أول صندوق، وثاني ركعة ثاني صندوق، وبثالث ركعة ثالث صندوق، ثلاثة أكيد صلى هو، خواطر لا علاقة لها بالصلاة تأتيك وأنت في الصلاة هذه صلاة أرادها الله عز وجل؟ إذا شخص الله عز وجل أكرمه بالعمرة أو بالحج وصلى في بيت الله الحرام يشعر أن هذه الصلاة مع القرب، هذه الصلاة مع البكاء، هذه الصلاة مع الوصول إلى الله، هي الصلاة التي أرادها الله عز وجل .
(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . إلاّ الُمُصَلّيِنَ)
[سورة المعارج]
ولكن ورد في الأثر القدسي:
ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها
[رواه الديلمي عن حارثة بن وهب]

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة

المشاركات الشائعة