‏إظهار الرسائل ذات التسميات بعض أقوال النبي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بعض أقوال النبي. إظهار كافة الرسائل


بسم الله الرحمن الرحيم... 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن لله ما أخذ، وله ما أعطى
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
أيها الأخوة الكرام، ظاهرة في بلاد المسلمين تلفت النظر، هذه الظاهرة هي: قلة الأمراض النفسية، بينما تجد في بلاد الغرب، نسبة المرضى النفسيين نسبه عاليه جداً. وأكثر الأمراض إنتشاراً هي مرض الكآبة.
لو أن إنساناً يريد جواباً علمياً، ما سبب قلة الأمراض النفسية في بلاد المسلمين؟.
الجواب: هو الإيمان بالله.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
إن لله ما أخذ، وله ما أعطى
هذا الحديث؛ الجامع المانع المختصر مفاده: الذي بحوزتك من عند الله، والذي فقدته بأمر الله.
وله ما أعطى
بدوي في الصحراء، يقود قطيعاً من الإبل، سئل: لمن هذه؟ قال: لله في يدي.
وربنا عز وجل يقول:
(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ)
[سورة آل عمران الآية:26]
(مَالِكَ الْمُلْكِ)
[سورة آل عمران الآية:26]
يعني: كل شيء يُملَّك مالكه الله؛ فالإنسان على التحقيق لا يملك شيئاً، إنما هو مال الله.
أساساً أعرابي، يعني في غلظة أمسك النبي من ثوبه، وكان ثوبه يميني نجراني، وشده حتى أثر على صفحة عنقه الشريف، قال:
يا محمد، أعطن مما عندك، فهو ليس مالك ولا مال أبيك، فتبسم عليه الصلاة والسلام -ولو فعلها مع غيره لطارت عنقه- قال: صدق، إنه مال الله
يؤكد هذا قول الله عز وجل:
(وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)
[سورة الحديد الآية:7]
أنت مستخلف، يدك على المال التي بحوزتك، يد الأمانة، لا يد التملك، مستخلف.
إن لله ما أخذ
يعني: اللهم صل عليه، حينما توفي ابنه إبراهيم بكى، قال له أبو ذر -فيما أذكر-:
أتبك يا رسول الله؟ قال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزنون
لأن الله أخذه.
رجل له ابن مريض من الصحابة الكرام، وكان مرضه شديداً، فجاء في إحدى الليالي، سأل زوجته عن ابنه: كيف حال ابننا؟ قالت: هو في أهدء حال، فتوهم أنه شفي وارتاحت نفسه، وضعت له العشاء، وأكل.
وهيأت نفسها له فأصاب منها، وفي الصباح أراد أن يرى ابنه، قالت: لو أن الجيران أعطونا جارية واستردوها أتغضب؟ قال: لا، قالت: كذلك فعل الله عز وجل، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقص عليه قصة هذه الزوجة الرائعة الفقيهة، الموحدة الصابرة
فقال عليه الصلاة والسلام:
بارك الله لكما في ليلتكما
وقيل: أنهما أنجبا غلاماً، أنجب عشرة حفاظ قرآن كريم في هذه الليلة.
أنت إذا آمنت أن الذي أعطاك الله إياه من فضله، وإذا شاء أخذه، لا تنسحق.
أنا أعرف رجلاً، يعني في بحبوحة مالية كبيرة، عنده معمل، وله ولد توفي، ترك الصلاة، وكفر، يعني: لماذا مات؟.
النبي مات ابنه، ما فعل ……..
فالإنسان حينما يؤمن، تخف أمراضه النفسية، لا يوجد عنده أمراض، التوحيد يريح، التوحيد علاقتك مع الله، والله حاضر ناظر، بيده كل شيء:
(بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)
[سورة المؤمنون الآية:88]
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)
[سورة هود الآية: 123]
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
آيات التوحيد رائعة، انظر:
(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)
[سورة فاطر الآية:2]
يعني: إذا الله أعطاك، أعطاك، لا تستطيع جهة في الأرض، أن تحول بين الله وبين هذا العطاء، وإذا كان أخذ منك، أقرب الناس إليك يتنكر لك، أقرب الناس إليك، والله زوجتك. حدثني شخص والله صار يبكي، قالت له: إذا وجدتك تموت، ويلزمك كأس ماء لا أسقيك. وحدثني رجل: ابنه ضربه.
ففي كلمة رائعة:
إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك؟.
يعني: إذا كان عليك، أقرب إنسان يتهجم عليك، وإذا كان الله معك، يسخر لك العدو ليخدمك، عدوك يصبح في خدمتك.
أيها الأخوة، معنى قوله تعالى:
(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)
[سورة طه الآية:39]
إذا أحب الله عبداً، ألقى حبه في نفوس الخلق
يصبح محبوباً.
وفي حديث:
ما أخلص عبد لله، إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة
يعني: من علامة الرضوان الإلهي: أن الناس يحبونك.
قال تعالى:
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)
[سورة آل عمران الآية:159]
بقدر ما استقر في قلبك من الرحمة، تكون مع الناس ليناً، رفيقاً، لطيفاً، رحيماً، منصفاً، وبقدر بعدك عن الله، يقسو القلب، ومع قسوة القلب؛ المواقف القاسية، والفظة، لذلك: ينفض الناس من حولك.
معادلة رياضية:
image
تتصل بالله، يمتلىء القلب رحمة، تعامل الناس باللين، والرفق، والإنصاف، والعدل، يلتف الناس حولك، ويحبونك، تغفل عن الله، تنقطع عنه، يمتلىء القلب قسوة، تكون فظاً غليظ القلب، ينفض الناس من حولك ويذمونك، فهذا قانون، لذلك:
إن لله ما أعطى، وله ما أخذ
أروع دعاء بهذا الموضوع:
اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب، فاجعله فراغاً لي فيما تحب
[أخرجه الترمذي في سننه]
يعني: أنت بين حالين؛ بين شيء تتمناه وقد حصلته، وشيء تتمناه ولم تحصله؛ فالذي حصلته وظفه في الحق، والذي لم تحصله وظف فراغه في الحق.
الإنسان إذا حصّل مالاً، ينبغي أن يوظف هذا المال في الحق، فإذا كان دخله محدود، وعنده وقت فراغ، من أين جاء وقت الفراغ؟ من دخله المحدود.
انتهت الساعة الثانية الوظيفة، ما عنده شيء بعد الظهر، ما دام الوضع كذلك، يوظف الفراغ في الحق، معناها: مثل المنشار، على الحالتين ربحان.
بالمناسبة:
(وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)
[سورة المؤمنون الآية:30]
يعني ممتحنين، وأنت أيها المؤمن ممتحن مرتين؛ ممتحن فيما أعطاك، وممتحن فيما منعك، الذي منعك منه ممتحن فيه، والذي أعطاك إياه ممتحن فيه، والبطولة: أن تنجح في المنع والعطاء، وربما كان المنع عين العطاء.
كن مع الله ترى الله معك***واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطــاك من يمنعه ثم***من يعطي إذا ما منعك؟
أخواننا الكرام، بالتعازي، يعني في كلمات يقولها المسلمون والله طيبة: عظم الله أجركم، يقال له: شكر الله سعيكم.
ومن العبارات التي سنها لنا النبي في التعزية، أن تقول:
إن لله ما أخذ، وله ما أعطى
يعني: الإنسان حينما يرى أن كل شيء بقضاء من الله وقدر، حينما يعتقد أن لكل شيء حقيقة.
وما بلغ عبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والإمام أحمد في مسنده]
لا يوجد بقاموس المؤمن لوم، وهذا اللوم حينما تختفي من قاموس المؤمن، يسعد أشد السعادة، أما كلمة لو: تحرق القلب، وقد يصاب بأزمة قلبية بهذه الكلمة، آلام الندم لا توصف، لذلك النبي منعنا من كلمة لو، لكن العجيب واردة في القرآن.
قال تعالى:
(وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)
[سورة الجن الآية:16]
قالوا: هذه لو الإيجابية.
لو الإيجابية ضرورية، إذا الإنسان -لا سمح الله- دمر ماله، لأنه مانع الزكاة، لو قال بينه وبين نفسه، إذا قال بينه وبين نفسه: لو أديت زكاة مالي، لما دمر الله مالي، كلام صحيح، وقلها ما شئت، وهذه ليست محظورة في الدين، هذه لو الإيجابية؛ لو أديت زكاة مالي لما دمر الله مالي، لو غضضت بصري لما كنت شقياً في بيتي، لو أديت الذي علي لما تكلم الناس في حقي، لو اتقيت الله في بيع هذه البضاعة لما أخافني الله من غيره.
أنا أقول لكم هذه الكلمة: معظمكم تجار، مستحيل أن تخاف الله وأنت في بيعك وشرائك، وأن يخيفك من سواه، أما إذا لم تخف الله، إذا استغليت، أن البضاعة مطلوبة، والزبون جاهل، وبعته بضاعة سيئة، وأخذت منه أعلى سعر، وظننت نفسك ذكياً، الله يخوفك من غيره الآن.
يدخل إلى عندك شخص يُسيء إليك، لأن الله كبير، والله يعالج.
انظر الآية ما أجملها:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
[سورة الروم الآية:41]
وآية دقيقة جداً، كان من الممكن أن نخطىء، وألا نذوق نتائج خطئنا ممكن.
ممكن إنسان يرتكب أخطاء كبيرة، دون أن يدفع الثمن، لكن الله شاءت حكمته: إذا فسدت وأفسدت، يذيقك الله ثمن الفساد، من أجل ماذا؟ لهدف نبيل:
(لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
[سورة الروم الآية:41]
لذلك: أي موقف تقفه غير صحيح، الله عز وجل يؤدبك، والتأديب: هو عين الرحمة:
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)
[سورة الأنعام الآية:147]
فهذا الحديث:
إن لله ما أخذ، وله ما أعطى
رجلاً من الصحابة، بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة، والنصح لكل مسلم، أرسل خادماً له ليشتري له فرساً، فجاء الخادم بالفرس، وصاحبها قال: هذه الفرس باعها صاحبها بثلاثمئة درهم، قال له: يا هذا، إنها أغلى من ذلك، أتبيعني إياها بأربعمئة؟ قال له: أتمنى، قال له: أتبيعني بخمسمئة؟ قال له: أتمنى، قال له: بسبعمئة؟ قال له: أتمنى، قال له: أتمنى، بثمانمئة؟ نقده ثمانمئة درهم، من حوله تعجبوا أشد العجب، باعك إياها بثلاثمئة!؟ قال: لا يعرف قيمتها. عاهدت رسول الله على السمع والطاعة، والنصح لكل مسلم.
والله في تاجر، تاجر أعرفه، هو موفق، حدثني عن شيء فعله، لكن أعجبني تماماً، يعني اشترى صفقة استيراد، عرضها بثمانية ونصف، –قصة قديمة جداً- لا يوجد زبون بثمانية، سبعة ونصف سبعة، ستة ونصف ستة، خمسة ونصف خمسة، لم تبع معه، خمسة آلاف ……. تألم أشد الألم، يدخل محله تاجر ناشىء، يعني شاب، أول عهده في التجارة، عرض عليه هذه الصفقة، أعجبته، لأنه جاهل، قال له: هذه بثمانية ونصف، قال له: والله تستحق ذلك، بخمسة لم تبع معه هو، قال له: بثمانية ونصف، قال له: تستحق ذلك، قال له: ادفع ثمنها كاملاً عند الاستلام، قال له: جاهز، يريد أن يشتريها، فذهب ليأتي بالرعبون، قال له: تعال، والله لا أبيعك إياها إلا بخمس ليرات، أنت لا تعرف بالسوق يا بني، هذه الصفقة لا تستحق أكثر من ذلك.
خاف من الله، يعني هو عرضها بخمسة لم تبع، جاء شاب جاهل، معه مال، يشتريها بثمانية ونصف، وثمنها مباشرة، لم يبعه إياها، خاف من الله، لأنه صار في استغلال لجهله.
فحينما تخاف الله، -هذه أعيدها كثيراً- لا يُخيفك من أحد، وحينما لا تخاف الله، تخاف من ظلك، من ظلك تخاف، لأن الله عز وجل قال:
(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا)
[سورة آل عمران الآية:151]
أيها الأخوة، أكبر شيء يعاقب به الإنسان: هو الخوف. يعني:
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)
[سورة النحل الآية:112]
(أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)
[سورة قريش الآية:4]
أخواننا الكرام، هذا الحديث:
إن لله ما أخذ، وله ما أعطى
هذا الحديث: يقيم توازن، يجعلك متوازن؛ لا تندم، لا تقل لو، أنت ابذل وسعك، وتوكل على الله،

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
اتَّقِ الله حيثما كنتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحسَنَةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ الناسَ بخلُق حسن
[حديث حسن، أخرجه الترمذي]
اتَّقِ الله حيثما كنتَ
هذه علاقتك بالله تعالى.
وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها
هذه علاقتك بنفسك.
وخالِقِ الناس بخلقٍ حسن
هذه علاقتك بالمجتمع.
وعلاقاتك مهما تنوعت، ومهما تعددت، ومهما كثرت، فلا تزيد على هذه الأبواب الثلاثة: علاقتك بالله، وعلاقتك بنفسك، وعلاقتك بالمجتمع.
وصية من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصية جامعة مانعة، وصية موجزة، وصية فيها قواعد كلية في التعامل مع الله تعالى، والتعامل مع النفس، والتعامل مع الناس.
اتَّقِ الله حيثما كنتَ
أين أنت؟
أنت في مُلك الله، وأنت في قبضة الله.
وأينما ذهبت، إلى أي بلد، أو إلى أي مكان، فالله عز وجل معك، معك بعلمه، قال تعالى:
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)
[سورة الحديد: الآية 4]
قال علماء التفسير: معية الله العامة تعني علمَه.
إذاً: الإنسان في ملك الله، وفي قبضة الله، ولن يخرج عن قدر الله أيُّ إنسان كان، حتى لو كان كافراً:
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا)
[سورة العنكبوت: الآية 4]
معنى يسبقونا، أيْ: إنهم ليسوا في قبضة الله، أو أنهم يفعلون ما يشاؤون، ولا ينالون عقابهم من الله، وهذا ما تنفيه الآية.
أيها الإخوة:
يجب أن تؤمن إيماناً قاطعاً أنك في قبضة الله، وأنك في ملك الله، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم أحوالك كلها، إن نطقت بكلام فهو سميع عليم، وإن سكتَّ وحدثتَ نفسك فهو عليم بما في الصدور، وإن تحركت فالله عز وجل بصير.
حينما تؤمن أن الله معك حيثما كنت، حينما تؤمن أن الله يعلم، وأن الله سيحاسب، وأن الله سيعاقب، فقد حققت الحد الأدنى من الإيمان.
أيها الإخوة الكرام، الآية الدقيقة التي تبين أن الله معك دائماً بعلمه:
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)
[سورة الحديد: الآية 4]
لكن الله عز وجل حينما يقول:
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)
[سورة البقرة: الآية 194]
فهذه المعية الخاصة، وتعني أنه معكم بحفظه وتأييده، ونصره وتوفيقه.
والنبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن المرتب.
• أدنى هذه المراتب الإسلام: الخضوع لمنهج الله.
• بعدها تأتي مرتبة الإيمان: الإقبال على الله، والاتصال به.
• وبعدها تأتي مرتبة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أيها الإخوة الكرام، المؤمن الحق لا يتوهم أنه في خلوة:
إذا ما خلوتَ الدهر يوماً فلا تقلْ***خلوت، ولكن قل: عليّ رقيبُ
حينما تشعر أن الله معك في خلوتك وفي جلوتك، حينما تحدث نفسك بكلام، وتعلم أن الله مطلع عليه، فهو يعلم السر وأخفى، يعلم ما تنطق، ويعلم ما تخفي، ويعلم ما خفي عنك، حينها تنضبط وتقبل.
وقد قال بعض العلماء:
علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون
كل شيء يخفى عنك يعلمه الله عز وجل، لذلك قال تعالى:
(فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)
[سورة الشعراء 213ـ219]
وأنت في خلوتك، وأنت في بيتك، وأنت في متجرك، وأنت في مكتبك، وأنت في سفرك، وأنت في إقامتك، وأنت في فرحك، وأنت في حزنك، وأنت في أدق العلاقات بينك وبين زوجتك، الله عز وجل يعلم كل شيء، حينما تعلم أن الله يعلم تنضبط وتقبل.
أيها الإخوة الكرام، لكن النبي عليه الصلاة والسلام، رحمةً بنا من قِبل مولانا جل جلاله، يقول:
إنَّ الله تعالى تجاوزَ لأُمَّتِي ما حدَّثَثْ به أنفُسَها، ما لم يَعْمَلُوا به أَو يتكلَّمُوا
[حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]
أي الخواطر، والحديث الداخلي، هذا لا نؤاخذ به إلا إذا انقلب إلى عمل، أو إذا انقلب إلى كلام، فالكلام من عمل الإنسان، وحينما تعتقد أن كلامك جزء من عملك ينضبط لسانك:
إِنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يرى بها بأساً، يَهْوِي بها سبعين خريفاً في النار
[حديث صحيح، أخرجه الترمذي]
إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة
[حديث رواه الطبراني والبزار]
حينما تعتقد أن كلامك من عملك، حينئذ ينضبط لسانك، ولا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.
إذاً: الخواطر التي تتأتى للإنسان، أو خطرات النفس، أو الحديث الداخلي، هذا لا نحاسب عليه ما لم ينقلب إلى كلام، وهو عمل من أعمال اللسان، أو إلى سلوك من أفعال الجوارح.
ولكن أيها الإخوة، هذه الوساوس والخطرات إن لم نعبأ بها، ولم نلقِ لها بالاً، قد تتحول إلى همة، والهمة إلى عزم، والعزم إلى إرادة، والإرادة إلى فعل، وهنا المشكلة.
لا نحاسب عليها، لكن ينبغي أن نكافحها، فإذا كان هذا الخاطر من أبواب الأمور العملية انقلب الخاطر إلى معصية.
من خاطرة، إلى فكرة، إلى همة، إلى عزيمة، إلى إرادة، إلى فعل.
وأما إن كانت هذه الخواطر من باب الاعتقاديات، فمن خاطرة، إلى فكرة، إلى همة، إلى عزيمة، إلى شبهة، إلى كفر، إلى مروق من الدين.
فالأفكار التي لا ترضي الله عز وجل ينبغي أن تكافحها، مع أنك لست محاسباً عليها، لكنها إذا تفاقمت انقلبت إلى عمل، أو انقلبت إلى شرك، أو انقلبت إلى مروق من الدين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:
(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)
[سورة الإسراء: الآية 36]
ما يصل إلى سمعك يجب أن تدقق فيه، ما يصل إلى بصرك ينبغي أن تدقق فيه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول عن رب العزة جل وعلا:
.. ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها..
[من حديث صحيح، أخرجه البخاري]
أي لا يمشي إلا إلى خير، ولا يبطش إلا بالحق، ولا يسمع إلا كلاماً متوافقاً مع منهج الله، ولا يقبل غير ذلك، ولا يرى إلا بنور الله.
أيها الإخوة الكرام:
(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً )
[سورة الإسراء: الآية 36]
اتَّقِ الله حيثما كنتَ
في أي مكان كنت، في بلدك، بين أهلك، وعليك رقباء كثُر، أو في السفر حيث لا رقيب، وتفعل ما تريد، فاتقِ اللهَ حيثما كنت.
وكثير من البلاد التي تجبر رعاياها على الصلاة، إذا سافروا إلى بلاد بعيدة تركوا الصلاة، وارتكبوا الموبقات، هذا ليس ديناً.
اتَّقِ الله حيثما كنتَ
في خلوتك، في جلوتك، في إقبال الدنيا، في إدبارها، في بلدك، في بلد بعيد، في أي مكان كنت ينبغي أن تتقي الله.
وبعض العلماء أضاف إلى هذا المعنى: وفي أيّ مكانة كنت.
في أيّ مكان، وفي أيّ مكانة.
في مكان عالٍ، في مرتبة عالية، أنت يمكن أن تكون في الأرض، اتق الله.
أنت غني اتق الله، أنت قوي، اتق الله، أنت في موسم التوجيه والإرشاد، وفي غيره، اتق الله.
في أي مكان كنت، وفي أيّ مكانة كنت، لأن الآية الكريمة تقول:
(أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً)
[سورة البقرة: الآية 148]
فما تزال سهــام الموت نافـذةً***في جنــب مدّرعٍ منها و مـتّرسِ
أراك لست بوقـــاف ولا حذرٍ***كالحاطب الخابط الأعواد في الغلسِ
ترجو النجاة ولـم تسلك مسالكها***إن السفينـة لا تمشي على اليـبسِ
أيها الإخوة الكرام، من علامات الإيمان أنه يشعرك أن الله معك دائماً في أي مكان، وفي أية مكانة كنت.
أحياناً، القوة تنسي الخوف من الله، أحياناً، كثرة المال تنسي الالتزام بالمنهج، فإن كنت غنياً أو قوياً أو في موضع تتجه أبصار الناس إليك، أو إذا كنت فقيراً أو ضعيفاً أو مريضاً، أو إذا كنت في بلدك أو في غير بلدك، حيثما كنت، اتقِ الله.
وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها
أيها الإخوة الكرام، أودع الله فينا الشهوات، لنرقى بها تارةً صابرين، وتارةً شاكرين، إلى رب الأرض والسماوات.
هذه الشهوات، أيها الإخوة، حيادية، يمكن أن تتحرك من خلالها مئة وثمانين درجة، لكن منهج الله عز وجل حدد لك الحركة، فأيّ شهوة أودعت في الإنسان لا يستطيع المؤمن أن يمارسها إلا وفق منهج الله، بدليل قوله تعالى:
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ)
[سورة القصص: الآية 50]
المعنى المخالف: إنك لو اتبعت هواك وفق هدى الله عز وجل فلا شيء عليك.
إذاً: هذه الشهوات حيادية، إما أن تكون سلَّماً نرقى به، أو دركات نهوي بها.
الآية الكريمة أيها الإخوة:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
[سورة آل عمران: الآية 14]
لكن أيها الإخوة الكرام، الإنسان يعيش ساعة وساعة، فهناك ساعة تألق، وهناك ساعة فتور، ويخشى في ساعة الفتور أن تزل قدمه، لذلك:
قال رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
كُلُّ بَني آدمَ خطَّاء، وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ
[حديث أخرجه الترمذي بإسناد حسن]
فالمعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أولياء الله محفوظون، بمعنى أن المعصية لا تضرهم، لأنهم سريعو التوبة، يتراجعون فوراً، يتوبون إلى الله فوراً.
لذلك الأنبياء معصومون، والأولياء محفوظون، لأنهم يعرفون طريق التوبة سريعاً، والمؤمن تواب، أي: كثير التوبة.
لذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان إذا زلت قدمه لابد من أن يتوب، وقد أخبرنا الله عز وجل، وهذه بشارة للمؤمنين حيث يقول:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)
[سورة الأنفال: الآية 33]
مادام منهج الله مطبقاً في حياتهم، مطبقاً في بيوتهم، مطبقاً في تربية أولادهم، في كسب أموالهم، في اختيار زوجاتهم، في حركتهم في الحياة، في عطائهم، في منعهم، في غضبهم، في رضاهم.
مادامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياة المسلمين، فهم في بحبوحة، وفي مأمن من عذاب الله، لكن رحمة الله عز وجل تقتضي أنك إذا أخطأت، وندمت، واستغفرت، فأنت في بحبوحة أخرى:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
[سورة الأنفال: الآية 33]
إذاً:
وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها
الإنسان إذا أذنب ينبغي أن يستغفر، وإذا أذنب ينبغي أن يتوب، وإذا أذنب ينبغي أن يتبع السيئة الحسنة، ولكن أيها الإخوة:
التوبة الأولى من الذنب هينة جداً، أما حينما تقع في الذنب مرة ثانية، وتشعر أن حجاباً نشأ بينك وبين الله، فلابدَّ أن تضيف إلى التوبة والاستغفار عملاً صالحاً يرمم الخلل الذي نتج عن هذه المعصية.
لذلك:
وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها
بمعنى أنك حينما تشعر أنك عدت إلى الذنب مرة ثانية، وأنه نشأ بينك وبين الله حجاب، فلا يكفي أن تعيد التوبة مرة ثانية، ينبغي أن تضيف إلى التوبة حسنة ترمم هذا الخطأ.
فالإنسان قد ينفق من ماله صدقة يرمم بها سيئة، وقد يصوم صياماً نفلاً يرمم بهذا الصوم سيئة، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها
لأن الله عز وجل يقول:
(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)
[سورة هود: الآية 114]
كُلُّ بَني آدمَ خطَّاء، وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ
[حديث أخرجه الترمذي بإسناد حسن]
إذاً: باب التوبة مفتوح على مصراعيه، بل إن الله عز وجل يقول:
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً)
[سورة النساء: الآية 27]
فالفقرة الثانية من الحديث أيها الإخوة، تعني: أنك تراقب نفسك، أنك تتعاهد قلبك، أنك تتأمل وضعك مع الله عز وجل، هل هناك حجاب؟ هل الطريق إلى الله سالك؟ هل إقبالك على الله جيد؟ هل صلاتك تنعقد صحيحة لله عز وجل؟ هل تشعر أنه بينك وبين الله حجاب؟
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
[سورة الشعراء 89،88]
قال العلماء: القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، والقلب السليم هو القلب الذي سلم من عقيدة تتناقض مع وحي الله، والقلب السليم هو القلب الذي سلم من تحكيم غير شرع الله، والقلب السليم هو القلب الذي سلم من عبادة غير الله:
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
[سورة الشعراء 89،88]
الفكرة الأولى في الوصية الشريفة: أن تعبد الله، وأن تتقي الله عز وجل حيثما كنت، في أي مكان، وفي أيّة مكانة.
الفكرة الثانية من الوصية: أن تتعاهد قلبك، أن تتأمل هل أنت مقبل أم مدبر؟ هل أنت متصل أم منقطع؟ هل الطريق إلى الله سالك أم مقطوع؟ هل تشعر أنك في رضا الله تتحرك أم في سخط الله تمشي؟
هذه الحقيقة الثانية ماذا تعمل من أجلها؟
وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها
لعلك أخطأت، لعله زلت قدمك، لعلك انحرفت مسيرتك، فلابد من أن تصحو قبل فوات الأوان، لذلك قال بعض التابعين: التقيت مع أربعين صحابياً، ما منهم واحد إلا ويظن أنه منافق.
من شدة محاسبته لنفسه.
بل إن بعضهم يقول: المؤمن يتقلب في اليوم الواحد بين أربعين حالاً، بينما المنافق يستقر على حال واحد أربعين سنة.
لأنه لا يعتني بقلبه، ولا يهتم بصلته، ولا يدقق في سلوكه، فهو ساهٍ لاهٍ، في غفلة.
وخالِقِ الناس بخلقٍ حسن
هذه علاقتك بالمجتمع.
أيها الإخوة الكرام، إن هناك تلازماً ضرورياً بين التدين الصحيح والخلق القويم، والنبي عليه الصلاة والسلام حدد الغاية الأولى من بعثته، والمنهج الأمثل لدعوته فقال:
.. وإنما بعثت معلماً
[من حديث أخرجه الحارث]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بعثت لأتمم صالح الأخلاق
[حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه]
هذا الدين العظيم فسره النبي بالخلُق الحسن: إنما بعثتُ هذه البعثة المحمدية، هذه الرسالة الخاتمة، لأتمم مكارم الأخلاق.
أيها الإخوة الكرام، وهو أيضاً بعث معلماً لحكمة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف
[حديث أخرجه الحارث في مسنده بإسناد ضعيف]
والآيات تؤكد هذه الحقيقة:
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)
[سورة الماعون 2،1]
هذا التلازم بين التدين الصحيح والخلق القويم:
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ)
[سورة القصص: الآية 50]
أيها الإخوة الكرام:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له
[حديث أخرجه أحمد]
هذا تلازم أيضاً بين الخلق القويم والإيمان الصحيح.
وفي حديث آخر:
الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر
[حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه]
الإيمان أيها الإخوة أساس الفضائل، ولجام الرذائل، وقوام الضمائر.
أيها الإخوة الكرام، سأروي لكم عدداً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي تتحدث عن الخلق وعلاقته بالإيمان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَكْمَلُ المُؤمِنينَ إِيمَاناً: أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً..
[من حديث صحيح، أخرجه الترمذي]
قمة الإسلام أن تكون ذا خلق، وقمة الإيمان أن تكون ذا خلق، وإن من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً.
العبد الذي يحبه الله عز وجل أكثر من غيره هو الحسن في أخلاقه، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً، أقرب إنسان يوم القيامة من رسول الله أحسنهم خلقاً، أكمل المسلمين إسلاماً أحسنهم خلقاً، أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن خير ما أعطي الإنسان خُلق حسن، أكبر عطاء يناله إنسان من الله الخلق الحسن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن
[من حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي]
أوزن شيء في ميزان الحسنات والسيئات الخلق الحسن.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم
[حديث صحيح، أخرجه أبو داود]
صائم في النهار، قائم في الليل، عبادة شاقة تحصِّل مثيلها بالخلق الحسن.
بل إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، درجات الآخرة ينال أعلاها من كان ذا خلق حسن.
والخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار
[حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي]
يجب أن تؤمنوا أن الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام حق مطلق، لأنه لا ينطق عن الهوى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عُذِّبت امرأةٌ في هرَّةٍ سجنتْها حتى ماتت، فدخَلتْ النَّار، لا هيَ أَطْعَمتها وسقتها، إِذ هي حَبسَتها، ولا هي تَرَكَتها تَأكُل مِن خَشاشِ الأرض
[حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً قال:
يا رسول الله إن فلانة، ذكر من كثرة صلاتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، قال: إن فلانة، ذكر من قلة صلاتها وصيامها وإنها ما تصدقت بأثوار أقط، غير أنها لا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة
[حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه]
أرأيتم من خلال هذه الآيات والأحاديث إلى مكانة الخلق في الإسلام؟
قال بعض العلماء:
الإيمان هو الخلق، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان
الذي يجذب الناس إلى الدين الخلق الحسن، الحكمة، الرحمة، التواضع، اللطف، الإيثار، الإنصاف، الورع، وركعتان من وَرِعٍ خير من ألف ركعة من مخلط.
أيها الإخوة الكرام:
اتق الله حيثما كنت
في أيّ مكانة، وفي أيّ مكان، وفي أيّ حال، في الفقر وفي الغنى، في القوة وفي الضعف، في مرتبة علمية عالية، ومرتبة علمية متدنية، في إقبال الدنيا وفي إدبارها.
اتق الله حيثما كنت
أيْ: أطع الله، طبق منهج الله عز وجل.
كلما سألني أحد الإخوة الكرام أن أنصحه، وهو مقبل على السفر أقول له نصيحة واحدة، ليس عندي غيرها: أطع الله عز وجل.
اتق الله حيثما كنت
هذه علاقتك بالله.
وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها
إذا زلت قدمك وأخطأت فبادر إلى التوبة، فإن رأيت التوبة لا تستطيع أن تعيدك إلى ما كنت عليه لأنك وقعت في الذنب مرة أو مرتين فأتبع السيئة الحسنة تمحها.
صابون الذنوب التوبة والاستغفار والحسنات، وتشعر أنك عدت إلى ما كنت، وهذا الخلل قد رمِّم، وهذا الشرخ الذي في علاقتك مع الله قد صُحِّح.
أيها الإخوة الكرام، شيء آخر:
وخالِقِ الناس بخلقٍ حسن
هذا المنهج العظيم لو حمله رجال غلاظ في إلقائهم للعلم، أو في معاملتهم للناس لنفر الناس منهم، بدليل أن سيد الخلق، وحبيب الحق المعصوم، سيد ولد آدم الذي أوتي المعجزات، أوتي الوحي، مع كل هذه الخصائص، قمة في الكمال، قمة في الفصاحة، قمة في كل شيء، قال الله له:
(وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)
[سورة آل عمران: الآية 159]
ولو كنت فظاً مع أنه يوحى إليك، ولو كنت فظاً مع أنك تملك المعجزات، ولو كنت فظاً مع أنك فصيح اللسان:
(وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)
[سورة آل عمران: الآية 159]
أيها الإخوة الكرام:
المؤمنون ملكوا القلوب بكمالهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، وشتان بين أن تملك الرقاب وبين أن تملك القلوب.
الأنبياء مضى على انتقالهم إلى الرفيق الأعلى آلاف السنين، وكلما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام اضطرب القلب محبة له، لأنه ملك القلوب، والأقوياء وهم بين ظهراني أمتهم ملكوا الرقاب، ولكن القلوب معرضة عنهم، فالبطولة أن تملك القلوب، لا أن تملك الرقاب، والناس جميعاً أتباع نبي أو قوي، فالذي يتبع النبي عليه الصلاة والسلام سلاحه الكمال واللطف والتواضع والإنصاف والعدل والرحمة والإخلاص، والذي يملك قوة، فسلاحه قوته.
أيها الإخوة الكرام:
كان عليه الصلاة والسلام أرأف الناس بالناس، كان قدوة لكل المؤمنين:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)
[سورة الأحزاب: الآية 21]

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة

المشاركات الشائعة