‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإنسان في الإسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإنسان في الإسلام. إظهار كافة الرسائل


بسم الله الرحمن الرحيم... 

السعادة مطلب الجميع:
أيها الأخوة، لو سألت أيَّ رجل على وجه الأرض كائناً من كان، مِن أي عرق ، ومن أي جنس، ومن أي قوم ، ومن أية ملّة، ومن أية نحلة، ومن أي دين، عن هدفه في هذه الحياة لقال لك: أنْ أسعد فيها،
هذا الجواب الجامع المانع المشترك بين جميع البشر على اختلاف أنواعهم، وألوانهم، وأجناسهم ، ومِلَلهم، ونِحَلهم، فمِن أين يأتي الخطأ؟ إذاً ما دام الهدف واحداً ، لماذا في الحياة أناس يَشْقَوْن؟ ولماذا في الحياة أناس معذَّبون؟ ولماذا في الحياة أناس هالكون؟ ما دام هدفهم جميعاً هو السعادة، الجواب عن هذا السؤال: إنهم أخطؤوا في تصور الوسيلة التي تُفضي إلى هذه السعادة.
قد يتوهم الإنسان أن السعادة كلها في جمع المال:
بعض الناس رأى السعادة كلها في جمع المال، وكسب المال غير جمع المال،
لأنَّ المال كما قال الله عز وجل: قوام الحياة، جعله الله لنا قياماً، فكسبُ المال من أجل أن ينفق على نفسه وعلى عياله، وأن يتقرب به إلى ربه، وأن يصون به أهله من التطلع إلى غيره، هذا هو كسب المال،
مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا
[أخرجه الدارمي عن ابن عباس]
يتوهم أو يتصور الإنسان أن سعادته في جمع المال فيسعى إلى جمعه ليلاً و نهاراً، سراً وعلانية في كل أوقاته، وخواطره، وهواجسه، ومشاعره، وطاقاته، وجهده، وإمكاناته، وتفكيره، وساحة نفسه ليس فيها إلا المال، وتأتيه المتاعب، والهموم، والأزمات إلى أن يكتشف في وقت متأخر وبعد فوات الأوان أن المال شيء لكنه ليس كل شيء، بل ربما كان جمع المال سبباً للشقاء في الدنيا والآخرة، وعلى هذه الحقيقة ألف قصة وقصة تعرفونها جميعاً، هذا يصاب بمرض عضال، وهذا بأزمة قلبية، وهذا يقول لك: إن الدنيا أطبقت عليّ، وكاد قلبي ينفطر من شدة الألم، وله محضر ثمنه ستون مليوناً أُخذ منه، كل ذلك بسبب تصوره الخاطئ.
أيها الأخوة، أنا أخشى أن يكتشف أحدكم هذه الحقيقة في وقت متأخر، لو ملكت مال قارون لم يسعدك إلا أن يشاء الله أن يسعدك، وقد تخيم على بيت سعادة لو يعلمها الأغنياء لَتَخَلَّوا عن ثرواتهم كلها، ليكونوا في مصاف هذا الذي أسعده الله .
قد يتوهم الإنسان أن السعادة في أن يكون له مركز مرموق:
قد يتوهم الإنسان أن السعادة في أن يكون له مركز مرموق، وهذا إما أن يحصِّله بالقوة أو بالعلم، فيسعى لنيل أعلى الشهادات لا لشيء إلا لتدغدغ نفسه كلمة دكتور مثلاً، وقد يسعى لمرتبة عالية كي يشعر أنه فوق الناس، ويتوهم أنه إذا نال هذه الشهادة العليا، وكتبها على مدخل بيته ، ورحب الناس بها ، ونظروا إليه نظرة إكبار، وتبجيل، وتعظيم روّى عن نفسه في حب العظمة، لكنه يكتشف بعد فوات الأوان وفي خريف العمر أن الوجاهة زائلة وليست كل شيء، بل ربما كان سعيه لهذه الوجاهة سبباً لشقاوته،
وكلمة ” آه ” يتلفظ بها الإنسان في خريف العمر وكأن نفسه تذوب فيها لقد عرف ولكن بعد فوات الأوان،
قد يتوهم الإنسان السعادة في اقتناص الملذات:
وقد يتوهم الإنسان السعادة في اقتناص الملذات من نادٍ ليلي إلى نادٍ ليلي آخر، ومن سهرة حمراء إلى سهرة خضراء، ومن مكان إلى آخر، ومن فندق إلى فندق، ومن بلد إلى بلد، أموال طائلة وشباب وفير، فها هو ذا ينفق أمواله على ملذاته، ما قولكم؟ إن هذا الذي يسعى للذاته قد ينتحر في ربيع العمر،
الآن يكشف الإنسان إذا تبع لذته صار حقيراً، وبذيئاً، وتافهاً، وهامشيّاً بل نوعاً من الحيوان،
الإنسان هو الضحية:
وقد كشفت بعض الدول التي قطعت مراحل طويلة في التصنيع وفي إحلال العلم محل الإنسان أن أثمن ما في الحياة هو الإنسان، وأننا من أجل أن نحقق بعض الأهداف الحضارية نضحي به، فإذا ضحينا به ضحينا بكل شيء، وهناك شعوب وأمم وأناس لا يعرفون شيئاً فهم كالآلات، يعملون ليأكلوا في مشارق الأرض ومغاربها، إنهم أناس ليس بينهم وبين البهائم فرق أبداً، لا يعرفون إلا العمل المضني، واقتناص اللذائذ كالبهائم ، والاستمتاع بالطعام والشراب لا قيم، ولا فكر، ولا مبدأ، ولا هدف، أموات غير أحياء:
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)
[سورة الفرقان الآية: 44]
الخطأ المصيري:
أقول لكم كلاماً واضحاً كالشمس: ما من مخلوق على وجه الأرض إلا ويسعى لسعادته ولكن الخطأ الفاحش الكبير الفادح يتأتّى من سوء تصور الوسيلة المفضية إلى هذه السعادة، إذا توهمتها في المال فأنت مخطئ، إذا توهمتها في القوة والعز والسلطان فأنت مخطئ، وإذا توهمتها في اقتناص الملذات في الفن وفي السياحة فأنت مخطئ، وهذا الخطأ خطأ مصيري لا يصحح بعد فوات الأوان ولا يعدَّل ولا يتلافى، إنه خطأ مدمر يسبب شقاوةً إلى الأبد.
المؤمن وطريق السعادة:
أما المؤمن فليس كغيره من بني البشر، يسعى لهذه السعادة، وعرف الطريق الصحيح الموصل إليها، عرفها في معرفة الله، وفي طاعته، وفي القرب منه، ولذلك خط المؤمن البياني في صعود دائم أبداً بعد أن عرف الله فهو ينتقل مِن خير إلى خير، ومن سعادة إلى سعادة أكبر، ومن عقل إلى عقل، و من رفعة إلى رفعة، ومن طمأنينة إلى أمن، ولو جاء الموت يتابع خطه البياني في الصعود، لأنه تعرّف إلى الأبدي السرمدي، الحي الذي لا يموت، الذي سيكون معه إلى أبد الآبدين، تعرّف إلى الذات الكاملة، إلى من بيده ملكوت كل شيء كان الله ولم يكن معه شيء:
(وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)
[سورة الرحمن الآية: 27]
هذا المؤمن الذي سعد بربه قد يفتقر إلى المال، وقد يكون دخله لا يكفيه إلى آخر الشهر، ومع ذلك فهو أسعد السعداء، وقد تكون في جسده علة مَرَضية مزمنة، أو يكون ذا شأن يسير فلا أحد يعرفه، أو تكون حياته خشنة، ومع ذلك فهو مِن أسعد السعداء، ما هذه المفارقة؟ تملك المال، والقوة، وعز الدنيا، وتُمضي العمر كله في اللذائذ وتشقى، هذا هو سر الإيمان، إنه السر العظيم.
ابن أدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتَّك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء
[ورد في الأثر]
لن تسعد إلا بمعرفة الله عن طريق دينه :
لن يتحقق مطلبكم جميعاً في الدنيا والآخرة إلا عن طريق الدين، لن يتحقق مطلبكم الأسمى وهو أن تسعدوا في الدنيا والآخرة إلا عن طريق معرفة الله عز وجل والتقرب إليه، وخدمة خلقه ومحبته، والتضحية بكل نفس ونفيس، وغال ورخيص، من أجل هذا القرب وهذا ملخص الدين، أي أن الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الكبرى في الكون ولا حقيقة سواها:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)
[سورة الأنبياء الآية: 25]
وأي شيء يقربك من الله فهو الحق، وأي شيء يبعدك عن الله فهو باطل، والباطل له معنى آخر فأي شيء استهلك وقتك، ومنعك أن تكون مع الله في هذا الوقت فهو باطل، لأن الإنسان مخلوق لهدف ثمين، وها أنت ذا تستهلك الوقت في هدف تافهٍ لا جدوى منه.
(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)
[سورة الفجر الآية: 24-26]

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم... 

القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقده الأيام :
أيها الأخوة الكرام، سأنطلق في هذا اللقاء الطيب من مقولة أنا أراها خطيرة جداً، هذه المقولة: إما أن تخطط وإما أن يخطط لك،
إما أن تضع خطة في حياتك، تفحصها من حين لآخر، تعدلها، إما أن ترسم هدفاً وتتخذ له وسائل فأنت في حالة راقية جداً،
وأما أن تدع الآخر يخطط لك، إن خططت، إن رسمت الهدف، إن انتقيت الوسائل، كنت رقماً صعباً،أما إذا خُطط لك تكون رقماً سهلاً،
أي كما ترون هناك كيانات في الأرض تعيش المستقبل، تخطط للمستقبل، وهناك كيانات أخرى تعيش الحاضر، أفعالها ردود فعل، وهناك كيانات أخرى تعيش الماضي، الكيان الذي يعيش الماضي كيان غبي، والكيان الذي يعيش الحاضر كيان أقل غباءً، أما الكيان الذي يعيش المستقبل هو الكيان الذكي العاقل،
أجريت استبيانات على ألف شاب النتيجة مؤلمة جداً، ومؤسفة جداً، ثلاثة بالمئة من يخططون، وسبعة وتسعون بالمئة من يُخطط لهم، يعيش ليس عنده خطة، وليس عنده هدف واضح، يعيش وقته يستمتع،
أنا أخاطب الشباب خطط لمستقبلك، ماذا تريد أن تكون حينما تضع هدفاً واضحاً؟ هناك مقولة أتأثر بها كثيراً،
إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقده الأيام
قال الله تعالى:
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)
[سورة العنكبوت الآية : 69]
العاقل من بحث عن الحقيقة و وصل إليها :
والله أيها الأخوة، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تبحث عن الحقيقة ولا تصل إليها، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تبحث عن هدف نبيل ولا تصل إليه، خطط،
حياة يومية، أكلنا، شربنا، عملنا، تعبنا، سهرنا، نمنا، استيقظنا، تزوجنا، أنجبنا، ثم تأتي النعوة، هذا شأن معظم البشر، مليارات ممليرة لم يدرِ بها أحد، و قلة قليلة ممن خططوا لمستقبلهم صاروا أعلام الأمة،
أنا أذكر هذا كثيراً، مرة سألت طلابي من يأتيني باسم تاجر كبير جداً عاش هنا عام ألف وستمئة وسبعة وتسعين وله علامة تامة، لم يتمكن أي طالب أن يعطيني أي اسم، قلت لهم: وأنا أيضاً لا أعرف، أما سيدنا صلاح الدين الذي خطط، وانتصر على سبعة وعشرين بلداً غربياً، سيدنا الصديق، سيدنا عمر، سيدنا عثمان، سيدنا علي، الإمام الشافعي، أبو حنيفة، أقطاب العلم، أقطاب القيادة، أقطاب الإصلاح، أعلام الأمة، خططوا.
هل تظن أن هذه إمكاناتك فقط؟ لا والله، كل إنسان عنده طاقات إذا فجرت كان إنساناً كبيراً، خطط، هذه الحياة تمضي سريعاً، كل واحد منكم وأنا معكم له عمر يسأل نفسه هذا السؤال المحرج، كيف مضت هذه السنوات الأربعون؟ والله مضت كلمح البصر، صدق ولا أبالغ سوف تمضي السنوات المتبقية من أعمارنا أيضاً كلمح البصر، فجأة كنت رجلاً فأصبحت خبراً، نعوة، في مدينتنا مئة وخمسون وفاة يومياً، خمسون نعوة مطبوعة تقريباً، اقرأ هذه النعوات أصحابها كانوا رجالاً، كانوا عمداء، كانوا تجاراً، أصبحوا خبراً على الجدران، أليس كذلك؟
ماذا أعددنا لهذه اللحظة؟ ماذا أعددنا لرحلة الانتقال من بيت إلى قبر؟ هل هناك من حدث في حياة البشر أكثر واقعية من مغادرة الدنيا؟ هل يجرؤ إنسان أن يقول أنا لا أموت؟ أبداً ، هناك فنان في بلد مجاور، وهو مغنٍّ مشهور جداً، قرأت مرة عنه، في كل حياته ما أكل طعاماً في المساء، من أجل صحته لم يأكل إلا لحماً أبيضاً، رياضة يومية، لم يركب طائرة أبداً، ثم مات، أنا توقعت أنه لا يموت! أي نظام غذائي مذهل، رياضة يومية، أنا مع الرياضة، مع النظام الغذائي، أنا لست ضده، لكن إياك أن تظن أن هناك إنسان لا يموت.
كل مخلوق يموت ولا يبقى***إلا ذو العزة والـــجبروت
والليل مهما طــــال***فلا بد من طلوع الفـــجر
والعمر مهما طــــال***فلابد من نزل الـــــقبر
العاقل من خطط لساعة لقاء الله عزّ وجل :
ماذا خططت لساعة لقاء الله عز وجل؟ ما العمل الصالح الذي تدخره يوم القيامة؟ ما العمل الصالح الذي ينزل معك إلى القبر؟ أنا أروي قصتين،
مرة التقيت مع شخص حدثته قليلاً في الدين فطرب لحديثي، فطلب لقاء أسبوعي ـ القصة من ثلاثين سنة ـ أذكر أنه التقينا كل خميس لقاء طيباً، بعض الأشخاص الطيبين كنا نلتقي معه كل خميس، لكن لفت نظري أن هذا الذي دعانا يتمتع بأذواق تفوق حدّ الخيال في بيته، في أثاث بيته، في مركباته، شيء متميز، غير طبيعي، مرة اتصل بي ابنه قال لي: أبي فقد ذاكرته، خرج من المعمل ونسي أين بيته، بعد حين اتصل بي مرة ثانية قال لي: أبي توفاه الله، قلت له أين الصلاة؟ قال في الجامع الفلاني، فأنا كنت في المسجد كي أشيعه كواجب، أحد علماء الشام يبدو كان يحضر عنده أيضاً، فقال كلمة، قال: أخوكم ـ أبو فلان ـ كان مؤذناً فترحموا عليه، كان صوته حسناً، إن صلى عندي أقول له: تفضل أذن، الإنسان يتكلم عشر ساعات عن حياته في الدنيا لكن العالم يقول: أخوكم كان مؤذناً فترحموا عليه، تعلمت درساً لا ينسى، اعمل عملاً يتكلم عنك دقيقة، ستون ثانية فقط، اسأل نفسك ـ لا سمح الله ولا قدر ـ لو أن الله توفى أحدنا ماذا يقال عنه وهو في النعش قبل أن يدفن؟ اشترى بيتاً؟ أسس عملاً طبيعياً؟ هذه عادات .تزوجت، أكلت، شربت، نمت، استيقظت، سافرت، تنزهت، أشياء طبيعية لا تذكر عند الموت، ما الذي يذكر عند الموت؟ الأعمال الجليلة.
سيدنا الصديق ، سيدنا عمر، سيدنا عثمان، سيدنا علي، الصحابة الكرام، صلاح الدين الأيوبي، الإمام أبو حنيفة، الشافعي، من أنت؟ أنت ليس أقل من أي واحد، الله عادل، ما الذي يمنعك أن تكون شيئاً مذكوراً؟ ما الذي يمنعك أن تكون إنساناً كبيراً عند الله طبعاً؟ خطط، ادرس، احصل على شهادة عليا، التقيت مع شخص قال لي: عمري سبعون سنة اليوم أخذت ليسانس ، ما هذه الهمة؟ سبعون سنة.
إنسان أرسل ابنه إلى الأزهر ليتعلم، بعد خمس سنوات عاد يحمل الشهادة، وعيّن خطيباً في قريته، فلما ألقى خطبة أمام أبيه الأمي ـ والده أمي، عمره خمسة وخمسون عاماًـ بكى الأب بكاء مراً، كل من حول الأب توهموا أنه بكى فرحاً بابنه، والحقيقة خلاف ذلك، هو بكى أسفاً على نفسه، كيف أمضى حياته في الجهل، ركب دابته هو في صعيد مصر، واتجه نحو القاهرة، وبقي يمشي شهراً إلى أن وصل إلى القاهرة، قال : أين الأزعر؟ لا يحفظ اسمه، قالوا له: ما الأزعر؟ قال : مكان التعلم، قال: اسمه الأزهر، النتيجة أوصلوه إلى الأزهر، وفي الخامسة والخمسين بدأ بتعلم القراءة، والكتابة، وتابع وما مات إلا وهو شيخ الأزهر.
إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقده الأيام.
الخلق كلُّهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له :
والهن لو أن واحداً منكم أراد أن يكون أكبر مفكر في العالم فالطريق سالك، أنا لي كلمة أتأثر بها تأثراً لا حدود له: سيدنا سعد بن أبي وقاص من أقرب الصحابة إلى النبي ومن علامة محبة النبي عليه الصلاة والسلام له أنه كان يداعبه فيقول :
هذا خالي، فَلْيُرِنِي امرُؤٌ خالَه
[الحاكم في المستدرك عن جابر]
وكان في الحرب يقول:
يا سعد ارم فداك أبي وأمي
[ابن ماجه وأحمد عن علي]
وما فدى النبي عليه الصلاة والسلام في حياته كلها صحابياً بأبيه وأمه، توفي النبي عليه الصلاة والسلام فقال له عمر رضي الله عنه ـ عملاق الإسلام ـ:
يا سعد، لا يغرَّنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له
أي واحد منكم من أي عائلة، من أي أسرة، من أي مصدر، من أي عرق، أي واحد منكم بإمكانه أن يصل إلى أهدافه كلها، والدليل:
(كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا)
[سورة الإسراء]
إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقده الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان، كن ابن من شئت غني، فقير، موظف، تاجر، مدني، ريفي، على العين والرأس عند الله،
دخل على النبي شخص قال له :
أهلاً بمن خبرني به جبريل
قال له : أو مثلي؟! قال له :
نعم يا أخي، خامل في الأرض علم في السماء
قد تكون حاجباً بوزارة في أقل وظيفة، وقد تكون قلامة ظفرك أحياناً بكل من في الوزارة، مرة كنت بمؤتمر إسلامي في المغرب، بأضخم فندق في المغرب كانت تعقد مؤتمرات القمة، مع الفجر سمعت قراءة قرآن رائعة، أطللت من نافذتي، فإذا عامل الحديقة يصلي الفجر في وقته بصوت أبكاني، وكان بالفندق مؤتمر إسلامي وقمم، قلت: لعل هذا الموظف أقرب عند الله من كل من في الفندق، ممكن، هذا الإيمان .
المؤمن سعادته تنبع من الداخل دائماً :
أيها الأخوة الكرام، اللذة تحتاج إلى مال، وتحتاج إلى وقت، وتحتاج إلى صحة، ولحكمة بالغة بالغة دائماً هناك واحدة ناقصة،
في البدايات شاب في أول حياتك، عندك قوة هضم تطحن الحجار، وعندك وقت، لكن لا يوجد عندك مال، يأتي وقت أسست عملاً صار عندك مال والصحة موجودة لكن لا يوجد وقت، والله قال لي مدير معمل: تسعة وعشرون سنة الساعة الخامسة صباحاً أنا في المعمل، و أخرج آخر واحد بعد المغرب، لا يملك وقتاً ليستمتع بالمال، الأعمال الناجحة جداً تحتاج إلى متابعة، يكون صاحبها معه ملايين و لكن لا يوجد عنده وقت ليستمتع بالمال، هذه المرحلة الثانية، مال وصحة لكن لا يوجد وقت، الثالثة: هناك مال ووقت لأن الإنسان يتقاعد و يسلم أولاده، فعنده دخل فلكي لكن لا يوجد صحة، أسيد أوريك على شحوم ثلاثية على التهاب مفاصل على قرحة بالمعدة، هذه الدنيا، أما المؤمن سعادته تنبع من الداخل معه دائماً .
ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن سجنوني فسجني خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهاية مشرقة :
فكر، خطط،
رسول عامل سيدنا عمر على أذربيجان ـ هذه في الشمال دولة تابعة للاتحاد السوفيتي سابقاً ، بعهد سيدنا عمر أذربيجان كانت ولاية عنده وهو في المدينة ـ فعامله على أذربيجان أرسل رسولاً، وصل المدينة في الليل، فكره أن يطرق باب أمير المؤمنين، فتوجه إلى المسجد، فسمع رجلاً يبكي ويصلي ويقول: ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها؟ سأله: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، قال: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ قال: أنا إن نمت ليلي أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي. خطط، سيدنا عمر صار عملاق الإسلام، صار من الخلفاء الراشدين، سيدنا عمر كان يخطب مرة فجاءه خاطر أنه ليس بينك وبين الله أحد، هو أمير المؤمنين، قطع الخطبة وقال: كنت عميراً ترعى غنماً لبني مخزوم على قراريط، كنت راعياً، فسأله أحد الصحابة لمَ قلت هذا؟ ما علاقة هذا الكلام بموضوع الخطبة؟ قال: جاءتني نفسي وأنا أخطب وقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد فأردت أن أعرفها قدرها، كنت أرعى غنماً لبني مخزوم على قراريط. خطط، فكر، اطلب أن تكون مؤمناً كبيراً، أدِّ العبادات، اقرأ القرآن الكريم، اطلب العلم،
من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهاية مشرقة
من كان مع الله كان الله معه :
لي كلمة أقولها دائماً: إن كنت مع الله كان الله معك، إن أقبلت عليه أقبل عليك، إن توددت إليه تودد إليك، إن أتيته مشياً أتاك هرولة، هكذا الحديث:
إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً
[البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين؟
فكر، والله سمعت عن أسرة لا أشبع من رواية هذه القصة، أسرة ؛ أب وأم وبنات وشباب، يستيقظون جميعاً قبل الفجر بساعة، يصلون قيام الليل، يقرؤون القرآن، يؤذن الفجر يصلون جماعة ثم ينصرف الأولاد إلى دراستهم، والأم تهيئ الطعام، الساعة السابعة يأكلون، وينطلقون إلى مدارسهم، وأعمالهم، هذا البيت جنة والله بإمكانك أن تجعل بيتك جنة في الدنيا، أي بيت، ستون متراً تحت الأرض، شمالي، يمكنك أن تجعله جنة، غرفتان جنة، دخل محدود جنة، القضية بالحب، القضية بالصلة بالله .
في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة :
السكينة أين وجدها رسول الله؟
في الغار: يا رسول الله لقد رأونا، قال له: ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما
وجدها إبراهيم في النار:
(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)
[سورة الأنبياء الآية : 69]
وجدها يونس في بطن الحوت:
(فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)
[سورة الأنبياء الآية : 88]
وجدها أهل الكهف في الكهف كانوا في القصور فوجدوها في الكهف :
(فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا)
[سورة الكهف الآية : 16]
وأنت تجدها في بيت صغير، متواضع، أجرة تحت الأرض، مع زوجة عادية جداً، صار بيتك جنة بالاتصال بالله ، بمعرفة الله، أنت في جنة،
وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة
والدليل :
(وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)
[سورة محمد الآية : 6]
ذاقوا طعمها في الدنيا.
من وسائل الوصول إلى الجنة الإعداد لساعة اللقاء:
الأمر بيدك لا يحتاج إلى مال، جنة الله في أرضه لا تحتاج إلى مال، لا تحتاج إلى سمعة، ولا إلى منصب، ولا إلى مكانة، ولا أنا ابن فلان، أي إنسان كائناً من كان إذا أقبل على الواحد الديان كان في جنة، إما أن تخطط وإما أن يخطط لك، خطط.
مرة أحد أخواننا الكرام توفاه الله، شيعت الجنازة إلى القبر، فلما فتح النعش حمل هذا الإنسان، وضع في القبر، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أعقل ممن عمل لهذه الساعة، ماذا أعددت لهذه الساعة؟ إن لك قريناً يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وهو حي، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك.
هذه الدنيا مهما تكن غنياً، مهما تكن قوياً، هناك موت، فالذكاء والبطولة أن تعد لهذه الساعة، أن تعد عملاً صالحاً، أن تعد طاعة لله، أن تعد طلباً للعلم، أن تعد فهماً للقرآن، أن تعد إنفاقاً للمال، أن تعد براً للوالدين، أن تعد تربية لأولادك، هذه وسائل الوصول إلى الجنة.
الإيمان مرتبة أخلاقية ومرتبة علمية :
فيا أيها الأخوة الكرام، خطط، إما أن تخطط وإما أن يُخطط لك، انتبه لا تكن رقماً سهلاً، كن رقماً صعباً، سأقول لك كلمة دقيقة: لو أنت طبيب مثلاً وفحصت إنساناً ميتاً بسمٍّ، فإذا قلت: موته طبيعي نجا الذين سمموه، أنت طبيب قناعتك أنه مات بسمٍّ، طبعاً ترك الميت مئة مليون، قدموا لك خمسة ملايين، أنا أقول كلمة: لو قبضت المئة مليون، وكتبت وفاة طبيعية، انتهيت عند الله، المؤمن رقم صعب لا يكتب خلاف قناعته، لا تحت سياط الجلادين اللاسعة، ولا أمام سبائك الذهب اللامعة، المؤمن لا يباع ولا يشترى، هذه عظمة الإيمان:
والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه
[السيرة النبوية]
هذا الإيمان، فالمؤمن مرتبة أخلاقية، لا يوجد مؤمن يكذب، ولا يغش، ولا يحتال، ولا يتآمر، ولا يحقد، ولا يخدع مستحيل:
يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ
[أحمد عن أبي أمامة]
الإيمان مرتبة أخلاقية، والإيمان مرتبة علمية، هذا المؤمن عرف الله، عرف الحقيقة المطلقة.
من عرف الله عرف كل شيء :
إن عرفت الله عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفة الله فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء،
ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء
مرة ثانية: إما أن تُخطِط وإما أن يخطَط لك، و لا يوجد إلا الله، تقول لي: ظروف، عند الله لا يوجد ظروف صعبة، تقول لي: أزمة عمل، عند الله لا يوجد أزمة عمل، يهيئ لك أعلى دخل وأفضل حياة، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
الدين الإسلامي دين جماعي و دين فردي :
الدين الإسلامي دين جماعي، ودين فردي، دعك من الناس، إن لم يطبقوا الدين طبقه وحدك، تقطف كل ثماره وحدك، لا يوجد إلا الله، هل هناك شاب من الشباب الطيبين أمامي لا يتمنى بيتاً؟ لا يتمنى دخلاً معقولاً؟ والله هذا أقل عطاء من الله لك، خلق لك الجنة، خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض، أنا أتمنى أن تخطط، أن تضع خطة، أن تدقق في صلواتك الخمس، بتفكرك بخلق السماوات والأرض
يا أخوان لا يوجد إلا الله وأنت مخلوق للجنة، وعندما تتقرب من الله تجد دخلت في عالم آخر، أحد أخواننا حج ـ توفي رحمه الله ـ هنأته في بيته بعد الحج، قال لي كلمة: والله ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم... 

أيها الإخوة الكرام، القرآن الكريم كلام الله، وحي السماء، كلام الخبير، كلام العليم، كلام الذي خلق الإنسان، كلام الذي يعلم السر وأخفى، في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن حقيقة الإنسان، وقد تنتمي موضوعات هذه الآيات إلى ما يسمى في العصر الحديث بعلم النفس الإسلامي، فهذا الإنسان المخلوق الأول ما حقيقته؟ ما جوهره؟ ما طبيعته؟ ما خصائصه؟ ما أحواله؟ ما الذي يسعده؟ ما الذي يشقيه؟ ما خصائصه قبل الإيمان؟ ما خصائصه بعد الإيمان؟ متى يسلم؟ متى يسعد؟ متى يرقى؟ متى يسقط، هذه قضايا دقيقة جداً القرآن الكريم، عالجها.
فالإنسان قبل أن يؤمن، وقبل أن يتصل له خصائص، وبعد أن يؤمن، وبعد أن يتصل له خصائص أخرى.
1.الإنسان هلوع:
قال تعالى:
(إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً)
[سورة المعارج]
خصائص الإنسان قبل أن يؤمن:
(إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ)
[سورة المعارج]
حدثني أخ كان مضيفا بطائرة دخلت في سحابة مكهربة، فتحطمت واجهة الطائرة، وتعطل جهاز الرادار، وكادت أن تسقط، قال لي: أوضاع الركاب شيء مخيف، بعضهم يبكي، بعضهم يندب حظهم، بعضهم يصرخ بويله، بعضهم يمزق ثيابه، بعضهم يقول: يا ولدي، قال لي: غير معقول، الطيار اضطرب جداً، قال له: هدئ الركاب، قال له: ما استجابوا، قال له انتقِ شخصًا من الركاب واجعله يتحدث إليهم، فوجد شخصاً جالسا بشكل هادئ، ساكت، فاختاره، فوجده مغمى عليه.
2.ملتجِئٌ إلى الله في الضرّاء:
قال تعالى:
(وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً)
[سورة يونس]
الإيمان بالله مركب في أصل فطرته، فذا أصابه الضر يدعو الله وحده، بل إنني سمعت قصة عجيبة، هي أن طائرة تقل خبراء من بلاد رفعت شعار ( لا إله )، ركاب هذه الطائرة لا يؤمنون بالله أصلاً، ملحدون، دخلت هذه الطائرة في سحابة مكهربة، فاضطربت، وكادت تسقط، فإذا بهؤلاء الخبراء يرفعون أيديهم إلى الله متوسلين.
(وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً)
[سورة يونس]
كذلك الذي يركب البحر، فإذا اضطرب الموج،
قال تعالى:
(دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)
[سورة يونس]
إن الإنسان حين الشدة في أصل فطرته يتجه إلى الله، لكن ما بطولة المؤمن؟ أن يعرفه في الرخاء، أن يعرفه وهو على الأرض، قبل أن يكون راكبًا طائرة، أو باخرة، أن يعرفه وهو صحيح قوي نشيط، أن يعرفه وهو شاب.
لذلك المؤمن يعرف الله في الرخاء، وغير المؤمن يعرف الله في الشدة.
حدثني أخ قال لي: في بلدة إسلامية عاصمة كبيرة فيها حوالي خمسة عشر مليونًا، أصابها زلزال، أقسم لي أن المصلين في المساجد ضاقت بهم المساجد في الصلوات الخمس، الحرم لا يكفي، الصحن لا يكفي، الأروقة لا تكفي، صلى الناس خارج المسجد في أثناء الزلزال، لكن بعد أن نسي الناس الزلزال عادوا إلى ما كانوا عليه، لذلك لا تفرح لإيمان يأتي عند الشدة، هذا الإيمان سريعاً ما يذهب، يأتي ويذهب، افرح بإيمان ثابت مستقر مستمر،
قال تعالى:
(وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ)
[سورة يونس]
أحياناً ترتفع حرارة الابن الصغير، يشم من بعض أقوال الأطباء أنه مرض عضال، التهاب سحايا، فالأب يصلي، ويدعو، ويدعو، ويدعو، فإذا زال المرض وعاد الشفاء إلى الصغير يقول لك: هذا طبيب ماهر، والأدوية فعالة، وينسى أنه دعا الله عز وجل، هذه خصيصة من خصائص الإنسان قبل أن يعرف الله.
3.يَئُوسٌ كَفُورٌ:
قال تعالى:
(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ)
[سورة هود]
إيمانه بالله لا يكفي لفهم حكمة هذا الحدث، حتى إنهم قالوا:
من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر
قال تعالى:
(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً)
[سورة هود: الآية 9]
صحة، دخل كافٍ، زوجة، أولاد، منصب رفيع.
(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ)
[سورة هود: الآية 9]
لا يفهم أن لهذا النزع حكمة، الله عز وجل يقول:
(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ)
[سورة آل عمران]
فإيتاء الملك خير، ونزعه خير، والإعزاز خير، والإذلال خير:
(بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
[سورة آل عمران]
إذاً: حينما تنزع منه هذه الرحمة إنه ليئوس كفور، يقنط من رحمة الله،
أما المؤمن فلا يقنط، لا ييئس، لا يشعر بالإحباط، يرى أن هناك حكمة بالغة، يقول: يا رب، أنا راض بقضائك وقدرك، أنا راض بما أنا فيه، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف]
بطولتك لا تبدو في الرخاء، تبدو في الشدة، والرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين،
وإذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه
إذاً: لا يمكن أن يكون المؤمن يئوساً ولا كفوراً، لذلك أخطر شيء يصيب الأمة أن تهزم من الداخل، أن تيئس، أن تحس بالإحباط، أن يقول المسلم: انتهينا، لما ننتهي الله معنا، ولن يترنا أعمالنا.
أيها الإخوة الكرام.
(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ)
[سورة هود]
يغلب على الإنسان قبل أن يؤمن أنه يؤوس، ويغلب على الإنسان قبل أن يؤمن أنه كفور، لكن المؤمن متفائل شكور، لأن الله عز وجل طمأننا،
قال تعالى:
(قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)
[سورة التوبة]
لم يقل: علينا، خط البيان المؤمن صاعد صعوداً مستمراً، بل إن الموت نقطة على هذا الخط الصاعد، ويستمر هذا الخط صاعد بعد الموت، لذلك من نعم الله الكبرى على المؤمن أن نعم الآخرة تتصل بنعم الدنيا.
4.خَصِيمٌ مُبِينٌ:
قال تعالى:
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)
[سورة النحل]
يكون نطفة لا ترى بالعين يستحيا بها لو كانت على الثياب، هذه النطفة تخرج من عورة، وتدخل في عورة، ثم تخرج من عورة، ويكون طفلا جميلا في بطن أمه، ثم وليدا يحتاج إلى عناية، إلى تنظيف، إلى إرضاع، فإذا صار شخصية مرموقة بدأ ينشر أفكار الكفر والإلحاد، ويقول: أنا، وإنسان العصر، والتأله،
قال تعالى:
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)
[سورة النحل]
يستخدم طلاقة لسانه وبيانه في تفنيد بعض ما في الدين من حقائق، زاعماً بأنه حر التفكير، لا يخضع لشيء إلا لعقله، ونسي أن الله عز وجل يقول:
(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ)
[سورة المدثر]
5.وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ:
ومن خصائص الإنسان قبل أن يؤمن
قال تعالى:
(وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ)
[سورة الإسراء]
يلوح له مكسب مادي، وفيه شر، وفيه حساب، ويعقبه عذاب ومساءلة، وقد ينتهي إلى النار.
(وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ)
إقبال الناس على الدنيا، على مالها حلالاً أو حراماً، على نسائها نكاحاً أو سفاحاً، إقبال الناس على الدنيا من دون أن ينتبهوا إلى مشروعية عملهم، أو عدم مشروعيته، هذا معنى قوله تعالى:
(وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً)
[سورة الإسراء]
المؤمن يسعى إلى أهداف بعيدة، يسعى إلى الجنة، والجنة بعد الموت، يتحمل في الدنيا كل شظف، وكل عيش خشن في سبيل مبادئه وإيمانه ونقائه، ويرفض أي دخل فيه شبهة، يرفض أية امرأة لا تقيم شعائر الله، يرفض أي منصب لا يستطيع أن يوظفه لخدمة الخلق، بعيد عن المكاسب المادية، مؤمن بما عند الله، لذلك لأنه آمن بالله، وآمن باليوم الآخر نقل أهدافه الكبرى إلى الآخرة، فيتحمل كل متاعب الحياة من أجل أن يبقى منيباً لله، مطيعاً له، قال تعالى:
(وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً)
لذلك المؤمن يختار هدفاً بعيداً، يختار الآخرة، بينما غير المؤمن يختار الدنيا، الشيء العجول الذي أمامه، حق أو باطل، خير أو شر، مشروع أو غير مشروع، يرضي الله، أو يسخط الله، يريد المال، يريد المنصب، يريد المتع، هكذا الإنسان قبل أن يؤمن، اختياره حسي، اختياره مادي أحياناً.
6.وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ:
يقول الله عز وجل:
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ)
[سورة الإسراء]
يعني بادر بالأعمال الصالحة،
قال عليه الصلاة والسلام:
بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا؟ أَوْ الدَّجَّالَ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ
[أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك]
هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا؟
مفاجآت كبيرة، معك وكالة لشركة سحبت منك، معك مشروع تجاري لأسباب طارئة أصابه الإخفاق، أعلنت إفلاسك ـ
هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا؟
كاد الفقر أن يكون كفراً ـ
أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟
غنى حملك على معصية الله.
أيها الإخوة الكرام، مستحيل، وألف ألْف ألف مستحيل أن تستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله، لا بد في أحد الأيام، وهذا نخضع له جميعاً من طارئ يطرأ على الصحة، وقد يكون هذا الطارئ سبب الموت، أنا أسميه بوابة الخروج، في المطار بوابات، وفي الدنيا بوابات، البوابة التي تخرج منها من الدنيا إلى الآخرة هي مرض الموت.
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ)
[سورة الإسراء]
نسي الله، نسي واجباته الدينية، نسي الآخرة، نسي المرض، نسي العقاب، نسي البلاء، نسي أن الله له بالمرصاد، نسي أنه في قبضة الله.
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً)
[سورة الإسراء]
أما المؤمن فيزداد في الرخاء إقبالاً على الله، يزداد في الرخاء محبة لله، فإذا لحكمة بالغة تحولت عنه هذه النعمة، هو شاكر وراض عن الله.
إن إنسانًا كان يطوف حول الكعبة يقول: يا رب، هل أنت راضٍ عني؟ كان الإمام الشافعي يمشي رواءه، قال له: يا هذا، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: سبحان الله ! من أنت؟ قال: أنا محمد بن إدريس، قال: كيف أرضى عن الله، وأنا أتمنى رضاه؟! قال:
إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله
قال تعالى:
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً)
[سورة الإسراء]
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)
[سورة الإسراء]
7.وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا:
ومن صفات الإنسان قبل أن يؤمن أنه قتور، يحرص على ما في يديه لا ينفق حتى أنه يعيش فقيراً ليموت غنياً بل إن الشح مرض خبيث من أمراض النفس،
قال تعالى:
(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
[سورة الحشر]
لذلك:
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً)
[سورة الإسراء]
لا ينفق، يده ليست سحاء، يده قابضة،
قال تعالى:
(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)
[سورة الإسراء]
إذاً: الإنسان لا ينفق، يجمع الأموال، والله هناك قصص لبخلاء هم في غباء لا يوصف، يعيش أحدُهم مقتراً على نفسه، والله هناك أناس حينما ترى حالهم البائس تتوقع أنهم فقراء، وقد تحدثك نفسك أن تعطيهم مساعدة، فإذا هم يملكون الملايين، لكنه قتور، كيف عندنا في الجسم أمراض خبيثة عضالة قاتلة مميتة؟ الشح مرض يصيب النفس، مرض عضال قاتل مهلك،
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً)
الإنسان حريص على ما في يديه، يتمسك بما في يديه.
8.وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا:
أيضاً أيها الإخوة الكرام، من صفات الإنسان قبل أن يؤمن،
قال تعالى:
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)
[سورة الكهف]
جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقرة من سورة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ، قال: كفيت،
اكتفى بجزء من سورة، اكتفى بآيتين،
قوله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)
[سورة النساء]
ألا تكفي؟
قوله تعالى:
(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)
[سورة فصلت: الآية 46]
ألا تكفي؟
قوله تعالى:
(وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)
[سورة سبأ]
ألا تكفي؟
قوله تعالى:
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)
[سورة الرحمن]
ألا تكفي؟
قوله تعالى:
(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)
[سورة طه]
ألا تكفي؟
قوله تعالى:
(فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
[سورة البقرة]
ألا تكفي؟
ستمئة صفحة، كل آية قانون وقاعدة ومبدأ، ومنهج ودستور، ومع ذلك يقرؤون القرآن، ولا يعملون به،
عندها يقول عليه الصلاة والسلام:
ورُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه
[ورد في الأثر]
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)
[سورة الكهف]
يحب المجادلة، يحب المماحكة، يحب الكلام الفارغ، يغرق في الجزئيات، ينسى مقاصد الشريعة، ينسى سر وجوده وغاية وجوده، يدخل في خصومات، في موضوعات صغيرة جداً.
إنّ مسجدا في عصور قديمة اختلف رواده على صلاة التراويح، أهي ثماني ركعات، أم عشرون، فتجادلوا، ثم تماسكوا، ثم تراشقوا التهم، وكان فيه عالم جليل، أصدر فتوى بإغلاق المسجد، قال: لأن التراويح سنة، ووحدة المسلمين فرض.
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)
مرة ألقيت كلمة في مناسبة عقد قران، فذكرت أن النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر كان أصحابه لا يزيدون على ثلاث مئة إلا بقليل، والرواحل قليلة، ما الحل؟ هو قائد الجيش، هو زعيم الأمة، هو سيد الخلق، هو حبيب الحق، فقال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، لقطة رائعة جداً، ما هذا التواضع؟ قائد الجيش، زعيم الأمة، قمة المجتمع، رسول الله يسوي نفسه مع أقل جندي، قال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، فلما انتهت كلمتي، وجلست في مكاني كان إلى جانبي رجل يعمل في الدعوة، قال: هناك خطأ، قلت: أين الخطأ؟ قال: الرواحل كانوا ثلاثمئة وأربعة عشر، الرقم الآن غير معني إطلاقاً، المعني أن ثلث هذا العدد رواحل، فالنبي قال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة.
أحيانا ترى الإنسان غارقا بالجزئيات، لدرجة أنه نسي الكليات، ونسي مقاصد الشريعة.
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)
[سورة الكهف]
والله أيها الإخوة الكرام، الجدال ليس ممدوحاً في القرآن الكريم، نحن في عصرنا المطلوب هو الحوار، أما الجدال ففيه مماحكة،
يقول الإمام الغزالي:
ما جدلت عالماً إلا غلبته، وما جادلني جاهل إلا غلبني
إذا قلت: الأعور نصف بصير، أليس كذلك؟ والأعور نصف أعمى، الآن في الرياضيات إذا كان حدان يساويان حداً مشتركاً فهما متساويان، نصف البصير يساوي أعور، ونصف الأعمى يساوي أعور، وعندنا حد واحد مشترك يساوي الحدين، إذاً: الحدان فيما بينهما متساويان، إذاً: نصف الأعمى يساوي نصف البصير، اضرب باثنين الأعمى كالبصير.
في القرآن بالعكس، هل يستوي الأعمى والبصير؟ بالجدل استويا، عند شخص عنده نفَسٌ طويل للجدال.
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)
[سورة الكهف]
تسعة أعشار وقته في مناقشات وجدل لا يقدم ولا يؤخر، آدم كان طوله ستين مترا، إذا كان ستين، وإذا كان مترين، ماذا يبنى على هذا الحكم؟
مرة سألني أخ على الإذاعة قال: كيف قَتل قابيل هابيل؟ قلت له ممازحاً: بمسدس ستة ميلي ! هذه من الأسئلة التي لا تقدم ولا تؤخر.
مرة أخ كريم ألف كتابًا عن مرض النبي عليه الصلاة والسلام الذي توفي به، قال لي: ما رأيك؟ قلت له: هل تسمح أن أقول لك رأيي؟ قلت له: لا جدوى منه، النبي عليه الصلاة والسلام مات، كيف مات؟ موضوع صغير، لو ألفت كتاباً في وصايا النبي الصحية لانتفعنا منه جميعاً، هو مات، مات بالتهاب سحايا، مات بأي مرض،
بل في رأي آخر قضايا التاريخ كلها، دعك من المتخصصين،
قال تعالى:
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ)
[سورة البقرة: 134]
ما الذي يعنينا أن نستورد حوادث تاريخية، ثم نتقاتل من أجلها، ثم تسيل الدماء، والخلافات القديمة، الفتنة ماذا تنفعنا؟
قال تعالى:
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[سورة البقرة: 134]
التاريخ كله بهذه الآية، ينتهي الجدال فيه، لنا هدف واضح، والوسائل واضحة، ونحن قادمون على دار آخرة فيها جنة يدوم نعيمها، أو نار لا ينفذ عذابها.
إذاً:
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)
[سورة الكهف]
9.أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى:
أيها الإخوة، محور الحديث عن طبيعة الإنسان قبل أن يؤمن،
قال تعالى:
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى)
[سورة القيامة]
هل يستقيم إيمانك حينما ترى في الأرض أقوياء وضعفاء وفقراء، وظالمون ومظلومون؟
إنسان عاش عمرا مديدا، وإنسان مات في سن مبكرة، امرأة وسيمة جداً، وامرأة دميمة جداً، وتنتهي الحياة، ولا شيء بعد الموت !!! أيعقل هذا؟ أيستقيم إيمانك بهذا؟
قال تعالى:
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى)
[سورة القيامة]
أن يأتي طاغية يفني بحرب عالمية ثانية خمسين مليون إنسان بقرار منه، يدير حربا عالمية، وتنتهي الحياة، ولا شيء عليه؟!
إنسان ألقى قنبلة ذرية على اليابان، الذي اصدر قرار بإلقاء القنبلة لا شيء عليه، وتنتهي الحياة هكذا؟!
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى)
ما من حساب، ولا إله يحاسب، والله الذي لا إله إلا هو مرة ثانية، ما من قطرة دم تراق من آدم إلى يوم القيامة إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة:
قال تعالى:
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى)
[سورة القيامة]
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)
[سورة الزلزلة]
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
فكيف بمن يبيد أمما، مليون قتيل، أربعة ملايين مشرد، مليون معاق، بقرار واهم، من أجل شيء لم يعثر عليه،
قال تعالى:
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى)
زوج ظالم يسحق زوجته، يبالغ في إذلالها وإهانتها، وضربها وأخذ أموالها، ثم يطلقها، وتنتهي الحياة هكذا؟!
إنسان يتاجر بالمخدرات، يفسد شباب الأمة، وينتهي الأمر هكذا !؟
إنسان يدير ملهى يفسد به الشباب والرجال والسائحين، وتنتهي الحياة هكذا !؟
قال تعالى:
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى)
كأنه يحسب، هذا يظن القضية بقوته وبغناه، وبقراره، ولن يحاسب.
10.فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ:
قال تعالى:
(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ)
[سورة الفجر]
يقوم بسياحة حول العالم، يرتكب المعاصي والآثام كلها، يقول لك: إذا أحب عبده أراه ملكه، من قال: إن الله يحبك؟ إذا أحب عبده أطلعه على ملكه، من فندق إلى فندق، ومن فاحشة إلى فاحشة، ومن ملهى لملهى، ومن نواد ليلية إلى نوادٍ ليلية، ويقول لك: إذا أحب عبده أطلعه على ملكه،
قال تعالى:
(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ)
[سورة الفجر]
لولا الله أن يحبني لما جعلني غنياً، لا، الله أعطى المال لقارون، وهو لا يحبه،
قال تعالى:
(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)
[سورة القصص الآية: 81]
أعطى الملك لفرعون، وهو لا يحبه، فلذلك أيها الإخوة، الإنسان غير المؤمن ساذج، يستند إلى أشياء مضحكة، لأنه جعله غنيا يعد الغنى محبة من الله، لأنه جعله قويا يعد القوة محبة من الله.
11.كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى:
ومن صفات الإنسان قبل أن يؤمن:
قال تعالى:
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى)
[سورة العلق]
ما دام قويا وغنيا، وبيده الأمور، أب قوي، أمره نافذ، معه سلاح الطلاق أمام زوجته، معه سلاح الحرمان لأولاده، أمره نافذ، ينسى أن الله سيحاسبه.
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى)
لذلك المؤمن دائمُ الافتقار إلى الله، ولو كان غنياً، ولو كان متمكناً، يقول: يا رب، تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، يا ذا القوة المتين.
في بدر الصحابة افتقروا إلى الله فانتصروا، لكن في حُنين، وهم علية القوم، وهم صفوة الله من خلقه، وفيهم رسوله،
قال تعالى:
(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)
[سورة التوبة]
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى)
[سورة العلق]
12.إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ:
الإنسان قبل أن يعرف الله خاسر، أيّ إنسان،
قال تعالى:
(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
[سورة العصر]
لماذا هو خاسر؟ لأن مضي الزمن يستهلكه، أنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك.
تصوروا إنسانا عمره عند الله سبع وستون سنة، وثمانية أشهر، وثلاثة أسابيع، وأربعة أيام، وخمس ساعات، وثمانية عشر دقيقة، وأربع ثوان، هذا عمره، كلما مرت ثانية يقترب من عمره، لأن مضي الزمن يستهلكه.
(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
[سورة العصر]
مضي الزمن يستهلكنا جميعاً، بعد مئة عام في الأعم الأغلب لن نجد واحداً فوق الأرض، كلنا تحت الأرض،
قال تعالى:
(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)
[سورة الإنسان]
مرة راجعت شريطا فيه إجابات آلية على الهاتف، سمعت هذه الإجابات أكثر من عشرة أشخاص في هذا الشريط ماتوا، وأحيانا دليل الهاتف، كل مرة تشطب اسما مات، فلذلك:
(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
[سورة العصر]
طبعاً إلا الذين آمنوا، بعد الإيمان هناك وصف آخر، أما الحديث اليوم فعن حقيقة الإنسان قبل أن يؤمن، فهو خاسر، أنت وكيل شركة عملاقة، أرباحك اليومية مليونا ليرة، خاسر، هذا كلام الله، أنت عندك وكالة حصرية، خاسر، عندك ألف دنم، الدنم بخمسة آلاف، ثمن الدنم خمسة ملايين، أنت خاسر، الرقم فلكي، الآن هناك أراضٍ من خمسة آلاف إلى خمس ملايين، ارتفعت، يقول لك: بيته في الجنة، فوق الرياح، هذا كلام فارغ.
(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
[سورة العصر]
لأن هناك الموت، والانقطاع.
13.لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ:
قال تعالى:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)
[سورة البلد]
في ضعف، أيّ خثرة دم تشله، أنت وعظَمتك ومكانتك، وهيمنتك وحجمك المالي، وشهاداتك الكثيرة ومناصبك العديدة، كل عظمة الإنسان مرتبطة بسيولة الدم، فإذا تجمدت خثرة صغيرة لا ترى بالعين في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل.
الإنسان قوته وحجمه المالي، ومكانته وهيمنته، ومناصبه ومكتسباته، وشهاداته وسيرته الذاتية، وكم بلدا زار، وعضو في عشرين أو ثلاثين جمعية، حضر أربعين مؤتمرا، كله منوط بنمو الخلايا، فإذا نمت نمواً عشوائياً يأتي النعي على الجدران، عظم الله أجركم، انتهى لذلك:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)
أحياناً يبقى طريح الفراش ثلاثين سنة، أحياناً يموت في ثانية، وبلا سبب ظاهر، سكتة قلبية، سكتة دماغية:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)
الإنسان أقل سبب ينهي له حياته.
أعرف قريبًا طالبا طب، من أسرة راقية جداً، وبيت علم، حدث معه فقر دم، وغذاؤهم جيد جداً، فقر دم، زاروا الكثير من الأطباء، بعد ذلك النتيجة أن هذا الطحال هذا مقبرة كريات الدم الحمراء، فالكريات الميتة يموت في الثانية مليونان ونصف مليون كرية، هذه الكريات تذهب إلى الطحال، تحلل إلى عواملها الأولية، تحلل إلى هيموغلوبين، يؤخذ إلى الصفراء، وتحلل إلى حديد، يعاد تصنيعه في معامل نقل الدم.
هذا القريب مات بمرض، أن الطحال له نشاط زائد، بدل أن يأخذ الكريات الميتة، ويحللها يأخذ الميتة والحية، نشاط زائد أنهى حياة إنسان.
الإنسان تحت رحمة هرمون تفرزه الغدة النخامية، الغدة النخامية وزنها نصف غرام، ملكة الغدد، كل هرمون لو قلّ إفرازه لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)
الإنسان سريع العطب.
فالإنسان ضعيف، والإنسان يطغى أن رآه استغنى، والإنسان في خسر، والإنسان عجول، الإنسان يتوهم أنه يترك سدى، وهذا كله من ضلال الإنسان قبل الإيمان.
14.وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا:
قال تعالى:
(وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً)
[سورة النساء]
لقد تحدثت عن آيات كريمة تصف الإنسان قبل أن يعرف الله، هذه صفاته، أما إذا عرف الله صار إنساناً آخر.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة

المشاركات الشائعة