‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة النبي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة النبي. إظهار كافة الرسائل


بسم الله الرحمن الرحيم... 

ما هي الحكمة الربانية في خضوع الأنبياء لامتحانات صعبة في ظروف معينة في الحياة ؟
أيها الأخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وقبل أن أبدأ الحديث لا بد من مقدمة:
لماذا أدخل الله جل جلاله نبياً كريماً السجن؟ ـ سيدنا يوسف ـ لعل واحداً من المؤمنين الصادقين لسبب أو لآخر دخل السجن، فله في هذا النبي الكريم أسوة حسنة .
لماذا اتهمت السيدة عائشة بأعظم ما تعتز به المرأة بعفتها؟ إن أية امرأة إلى يوم القيامة اتهمت، وهي بريئة فلها في هذه السيدة أسوة حسنة .
لماذا كان ابن سيدنا نوح شقياً؟ لعل أباً بذل قصار جهده في تربية ابنه، لكن الابن مخير، واختار طريقاً آخر، هذا الأب المتألم أشد الألم، لعل له في هذا النبي الكريم نوح عليه السلام أسوة حسنة .
لماذا كانت زوجة لوط امرأة كافرة؟ لعل أي إنسان ابتلي بزوجة سيئة، فله في هذا النبي الكريم أسوة حسنة.
لماذا ابتلي سيدنا أيوب بالمرض؟ لعل أي مؤمن اختار له ربه مرضاً لحكمة بالغة, له في هذا النبي أسوة حسنة.
لماذا كان سيدنا سليمان ملكاً؟ أي إنسان ولاه الله أمر المسلمين قدوته هذا النبي الكريم ، بالعدل، بالرحمة، بإحقاق الحق، بإبطال الباطل.
لماذا كان أحد أنبياء الله عقيماً ـ سيدنا زكريا ـ؟ لعل الله اختار لإنسان أن يكون عقيماً لحكمة بالغة, له في هذا النبي أسوة حسنة.
هؤلاء قمم البشر، هؤلاء نخبة البشر، ومع ذلك آتى الله بعضهم الملك، وجعل بعضهم ضعافاً، وجعل من بعضهم ذرية، ولم يجعل لبعضهم ذرية، إذاً: هؤلاء الذين اختارهم الله عز وجل ليكونوا قمم البشر كانوا قدوة للبشر.
التشابه بين اضطهاد المسلمين الآن وبين اضطهادهم في زمن البعثة, ماذا نستنتج ؟
أيها الأخوة، حينما نتعرف كيف نكلت قريش بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف تفننت في تعذيبهم، وفي إذلالهم، وفي إفقارهم، كما سيمر معنا عندئذٍ يهون علينا ما يعانيه المسلمون اليوم في شتى بقاع الأرض من اضطهاد وحرب همجية قاسية لا هوادة فيها وتشويه لصورة الإسلام .
لذلك يجب أن نعلم أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، وأن من حِكم الله عز وجل أي يكون البشر فريقين ، فريق على حق ، وفريق على باطل ، فريق يعيش للناس، وفريق آخر يعيش الناس لهم ، فريق يملك قلوب الناس ، وفريق يملكون رقاب الناس .
أيها الأخوة،
قول تعالى:
(وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا)
[سورة الإسراء الآية : 110]
عن ابن عباس, يقول:
نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون قراءته سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم,
(وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ)
أي بقراءتك فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن،
(وَلَا تُخَافِتْ بِهَا)
عن أصحابك، فلا تسمعهم:
(وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)
[سورة الإسراء الآية: 110]
الآن هناك من يسب هذا الدين، ومن يتهم هذا القرآن الكريم بأنه كتاب قتال، كتاب قتل، كتاب إرهاب، التاريخ يعيد نفسه، وحينما قال الله عز وجل:
(وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)
[سورة الأحزاب الآية : 33]
ماذا يستنبط؟ أن هناك جاهلية ثانية، هي أدهى وأمر,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله, قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله, قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟
[ورد في الأثر]
وعندما كان المسلمون يسبون أصنام الكفار أخذ المشركون يسبون الله تعالى عَدْواً بغير علم، فأنزل الله تعالى:
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)
[سورة الأنعام الآية : 108]
ماذا نستنبط مما سبق؟ أن سيد الخلق، وحبيب الحق كان ضعيفاً، وقد تفنن المشركون في التنكيل بأصحابه، وفي إيذائهم، وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فإذا كنت ضعيفاً في وقت ما، وفي حقبة ما، وفي ظرف ما، لا تتألم كثيراً، سيد الخلق، وحبيب الحق كان ضعيفاً، ولم يستطع أن يدافع عن أصحابه، ولا أن يعطيهم شيئاً،
قال الله تعالى:
(قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً)
[سورة الجن الآية: 21]
بل أبلغ من ذلك:
(قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً)
[سورة الأعراف الآية : 188]
(وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)
[سورة هود الآية : 31]
(وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)
[سورة الأعراف 188]
(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)
[سورة الأنعام الآية: 15]
لا يعلم الغيب، لا يملك لكم نفعاً ولا ضراً، لا يملك لنفسه نفعاَ ولا ضراً، يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم،
الأسئلة التي اقترحتها اليهود على قريش لتنال من جانب النبي :
أخوانا الكرام، أوفدت قريش نفراً منهم إلى المدينة، على رأسهم النضر بن الحارث، ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحونها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم اليهود : سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح,
قال تعالى:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ)
[سورة الكهف الآية : 83]
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ)
[سورة الإسراء الآية : 85]
لكن الله أبطل كيدهم عندما أنزل الله قرآناً في شأن الإجابة عن هذه الأسئلة، هذا يؤكد أن السماء توحي إليه بالحق,
قال تعالى:
(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)
[سورة آل عمران الآية: 44]
الأسلوب الجديد الذي استخدمته قريش مع النبي لينصرف عن دعوته :
لذلك قريش أرادت أن تجرب أسلوب الترغيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم.. فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها، إن قلت: إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً, (هم لا يفهمون الأشياء إلا بقيمهم، لا يفهمون دعوة لله خالصة، يفهمون دعوة من أجل المال، يفهمون دعوة من أجل المتع، يفهمون دعوة من أجل السلطان، وكأن هذا الإنسان عبر عن مكنون نفسه، ونفس قومه) إن كنت إنما تريد من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً, وإن كنت تريد شرفاً, (سيطرة، مكانة، هيمنة، سلطة) سودانك علينا، جعلناك سيدنا، فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطبيب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ منه .
فلما فرغ من قوله تلا النبي صلى الله عليه وسلم عليه قوله تعالى:
(حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)
[سورة فصلت الآية: 1-13]
أيها الأخوة، سمع هذه الآيات، وكأن صاعقة نزلت عليه، فعاد إلى قومه، وأخبرهم بما سمع، وقال: هذا الذي يقوله محمد ليس شعراً، ولا سحراً، ولا كهانة، وأقترح عليكم أن تدعو محمداً وشأنه .
أما الوليد بن المغيرة الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأن رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لمَ؟ قال: ليعطونك، فإنك أتيت محمداً لتعرض عنه، يعني إن أتيت محمداً أعرض عنه، وخذ من المال ما شئت، ثم قال الوليد عن القرآن:
والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة, مثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه يعلو، وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته
هناك من ادعى النبوة جاء بكلام ادعى أنه من عند الله، قال: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً .
سبحانك يا رب! الإنسان يشعر بكل خلية في جسمه أن هذا كلام الله، وأن هذا كذب وهراء، أليس كذلك؟
يئست قريش من أسلوب الترغيب، لذلك المؤمن لا يلين لا لسبائك الذهب اللامعة، ولا يلين لسياط الجلادين اللاذعة، المؤمن رجل مبدأ,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه
[ورد في الأثر]
أسلوب الترهيب التي قامت به قريش لتخويف من يتبع هذا الدين :
الآن لونت قريش في أسلوبها، واتبعت أسلوب الترهيب، كان أبو جهل إذا سمع عن الرجل أنه أسلم، وله شرف ومنعة، وبخه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك، وهو خير منك، والله لنسفهن حلمك، ولنضعفن رأيك، وإن كان تاجراً, قال له: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفاً ضربوه، وأغروا به، وحينما لم تثمر كل هذه الأساليب السابقة في صد النبي صلى الله عليه وسلم عن دينه لجأت قريش إلى أسلوب الاعتداء والتصفية الجسدية,
قال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)
[سورة الأنفال الآية: 36]
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
[سورة يوسف الآية: 21]
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)
[سور غافر الآية: 51]
(وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
[سورة الروم الآية: 47]
هؤلاء الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين، وهؤلاء الذين حاربوه في مزابل التاريخ، في أسفل السافلين .
أيها الأخوة، ما من إنسان أشقى ولا أغبى ممن يقف في خندق مضاد للحق، هل تعلم من هو الطرف الآخر؟
ما معنى هذه الآيات؟ أنك إذا فكرت أن تكون عدواً للحق، إذا فكرت أن تكون عدواً لأنبيائه، إذا فكرت أن تكون عدواً لصالح المؤمنين، يجب أن تعلم من هو الطرف الآخر، من هو خصمك، إنه الله الذي بيده كل شيء، لذلك أشقى إنسان على وجه الأرض الذي يحارب الله ورسوله، نهايته في مزبلة التاريخ، نهايته مع فرعون وقارون، ومع كل الظالمين الذين أذلهم الله عز وجل .
لم لم يستطع فرعون هذه الأمة بزعمه أن يطأ رقبة النبي عليه الصلاة والسلام ؟
أيها الأخوة، لقد استفحل إيذاء قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا في الدعوة السرية، بل في الدعوة العلنية، بعد أن أمر الله جل جلاله نبيه أن يظهر شعائر دينه، كالصلاة عند الكعبة،
فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا جهل, قال:
هَلْ يُعَفّرُ مُحَمّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُم ـ يعني إذا سجد ـ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللاّتِ وَالْعُزّىَ لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأن عَلَىَ رَقَبَتِهِ، أَوْ لأُعفّرَنّ وَجْهَهُ فِي التّرَابِ, فَأَتَىَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَىَ رَقَبَتِهِ ـ كما حلف ـ فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ : إِنّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقاً مِنْ نَارٍ، وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً، فقالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ دَنَا لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ عُضْواً عُضْواً
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]
قال تعالى:
(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
[سورة المائدة الآية : 67]
(فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)
[سورة الطور الآية : 48]
يجب أن تثق أن الله يحفظك، وأن الله لا يسلمك، وأن الله يدافع عنك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ لذلك نزل القرآن الكريم:
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)
[سورة العلق الآية: 6-19]
ماذا قدم النبي وصحبه حتى وصل الإسلام إلينا ؟
1. خنقوه خنقاً شديداً وهو يصلي:
أيها الأخوة,
روى البخاري عن عروة بن الزبير، قال: سألت عبد الله ابن عمر عن أشد ما صنع المشركون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ” رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه صلى الله عليه وسلم، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟
[أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير في الصحيح]
هذه الدعوة التي وصلت إلينا بذل من أجلها الغالي والرخيص، بذل من أجلها النفس والنفيس، ينبغي ألا نضيعها، الإسلام وصل إلى العالم بفضل هؤلاء الصحابة الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم .
2. وضعوا على رأسه أحشاء خرووف وهو ساجد:
روى بخاري ومسلم من حديث ابن مسعود, قال:
بَيْنَمَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيّكُمْ يَقُومُ إلَىَ سَلاَ جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ ـ يعني أحشائها ـ فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمّدٍ إذَا سَجَدَ, فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ، فَلَمّا سَجَدَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَىَ بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالنّبِيّ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتّى انْطَلَقَ إنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ. فَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثُمّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ، تَشْتِمُهُمْ، فَلَمّا قَضَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إذَا دَعَا، فَوَ الّذِي بَعَثَ مُحَمّداً صلى الله عليه وسلم بِالْحَقّ لَقَدْ رَأَيْتُ الّذِينَ سَمّىَ ـ أي ذكر أسماءهم بالدعاء عليهم ـ صَرْعَىَ يَوْمَ بَدْرٍ . ثُمّ سُحِبُوا إلَىَ الْقَلِيبِ ، قَلِيبِ بَدْرٍ
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح من حديث ابن مسعود]
3. ضربوه حتى أغشي عليه:
ومرةً ضربوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أغشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي: ” ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟ فتركوه، وأقبلوا على أبي بكر،
4. وضعوا الحطب في طريقه:
وحاولت أم جميل زوجة أبي لهب أن تعتدي عليه بحجر فحماه الله منها، فلم تره، فكانت تحمل الحطب كي تضعه في طريقه صلى الله عليه وسلم كما حكى القرآن ذلك:
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)
[سورة المسد الآية: 4-5]
5. حاولوا قتله:
مرة التقى صفوان ابن أمية بعمير بن وهب، فقال له عمير: يا صفوان ، والله لولا صغار أخشى عليهم العنت من بعدي، ولولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها لذهبت ، وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، صفوان عدو لدود، قال: يا عمير، أما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، وأما ديونك فهي علي بلغت علي ما بلغت، فامضِ بما أردت، يعني اذهب، واقتل محمداً، وأرجنا منه، فسقى سيفه سماً، ووضعه على عاتقه، وركب ناقته، وتوجه إلى المدينة بحجة أنه أتى المدينة ليفك أسر ابنه، فلما وصل المدينة رآه عمر رضي الله عنه، فقال: هذا عدو الله جاء يريد شراً، وقيده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سيدنا النبي لطيف، قال: يا عمر، أطلق سراحه، فأطلق سراحه، قال: يا عمير، ادنُ مني، فدنا منه، قال: يا عمير، سلم علينا، قال له: عِمت صباحاً يا محمد، قال له, قل: السلام عليكم، قال له: لست بعيد عهد بسلامنا، هذا سلامنا، كتلة غلاظة، قال: يا عمير، ما الذي جاء بك إلينا؟ قال : جئت أفك ابني من الأسر، قال: يا عمير، وهذه السيف التي على عاتقك؟ قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال: يا عمير، ألم تقل لصفوان: لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت، وقتلت محمداً، وأرحتكم منه؟ وقف وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله, وأنت رسوله, وأسلم، أما صفوان فكان يخرج كل يوم إلى ظاهر مكة ليستقبل الركبان ، فلعل الخبر السار بقتل محمد يصل إليه، ثم فوجئ أن عمير أسلم,
قال تعالى:
(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ)
[سورة آل عمران الآية : 119]
(وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)
[سورة البقرة الآية: 72]
ويقول المؤرخون: إن غالب ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من أذى كان بعد وفاة عمه أبي طالب .
المواساة التي قدمها جبريل عليه السلام للنبي :
أيها الأخوة,
روى الإمام أحمد من حديث أنس أن جبريل عليه السلام جاء ذات يوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وهو جالس حزيناً، قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، قال, فقال له: ما لك؟ قال: فقال له: فعل بي هؤلاء، وفعلوا، قال: فقال له جبريل عليه السلام: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: فانظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة، فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع، فأمرها، فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبي
[أخرجه أحمد من حديث أنس في مسنده]
وجاءه جبريل مرة، وقال: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي
ما تخلى عن قومه، ودعا لهم بالهداية، واعتذر لهم فإنهم لا يعلمون، ودعا لهم هذا الإنسان الذي أقسم الله بعمره الثمين،
قال له:
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)
[سورة الحجر الآية: 72]
ألا ينبغي أن نقتدي بهذا النبي الكريم, ألا ينبغي أن يكون الوقت عندنا ثميناً أن نفعل فيه شيئاً لصالح الناس, أن نخفف من متاعبهم، أن نعزز مكانتهم، أن نحل مشكلاتهم، أن نأخذ بيد ضعيفهم، أن نطعم جائعهم، أن نكسو عاريهم .
ما هي الحكمة الربانية في إصابة النبي وصحبه بهذا الأذى والتعذيب ؟
أيها الأخوة، إن هذه الوقائع، وهذا الأذى، وهذا الاضطهاد، وهذا التنكيل، وهذا التعذيب، وهذا التكذيب، وهذا الازدراء، وهذه السخرية، وهذه الإهانة كلها صبت على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليبين الله لنا أن هؤلاء كانوا أهلاً للدعوة إلى الله,
قال تعالى:
(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)
[سورة الأحقاف الآية : 35]
أيها الأخوة، ونحن فلنصبر، وإن الله وعدنا وعوداً كثيرة،
قال تعالى:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي)
[سورة النور الآية : 55]

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، ولا بد من كلمة بين يدي الموضوع السيرة النبوية تعد من السنة، لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أقواله وأفعاله وإقراره، وأفعاله هي تشريع، ونحن حينما نقف وقفة متأنية عند سيرته نكتشف من سيرته قواعد ينبغي أن نتبعها كي نسلم في الدنيا ونسعد، فلذلك المقصود من فقه السيرة أن نستنبط منها القواعد حتى تكون منهجاً لنا في حركتنا في هذه الحياة .
ما هي الحكمة من الصراع بين الحق والباطل ؟
لقد بينت سابقاً كيف أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قامت على التوحيد ، وقامت على المساواة بين البشر، وقامت على بعض التكاليف؟ وهو الأمر الذي أثار قريش لذلك تحركت، ماذا فعلت؟ جاء أشراك إلى أبي طالب, فقال: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل أبناءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخل بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه .
إذاً: أي إنسان دعا إلى الله بإخلاص وصدق وشفافية كما يقولون يجب أن يوطن نفسه على أن يلقى معارضة، وهذه المعارضة ثمن الجنة، لولا الصراع بين الحق والباطل لما كانت جنة، ثمن الجنة أن تقبل التحدي، وأن تستعين بالله عز وجل، فقالوا: إما أن تخلي بيننا وبينه، وإما أن نكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً، وكان حكيماً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله .
الخطط الكيدية التي رسمتها قريش لمنع دعوة الرسول من الانتشار بين أفرادها :
1. استعانة قريش بأبي طالب للضغط على ابن أخيه لوقف الدعوة :
أيها الأخوة, فذهب الوفد لما تابع النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، وأبو طالب ردهم رداً جميلاً، ولم يحرك ساكناً، عاد الوفد إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك عن ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا، وسفه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه .
الآن أبو طالب تأثر، هذا اسمه تصعيد، صعدوا الخصومة، أدخلوا أبا طالب كطرف في النزاع، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفساً لتسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه، فدعا أبو طالب ابن أخيه محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني، وقالوا لي كذا وكذا، فأبقي علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق،
فقال عليه الصلاة والسلام:
والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته
[ورد في الأثر]
بالتعبير المعاصر النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا كيف نكون رجال مبادئ؟ الرجال نوعان؛ رجال مصالح، ورجال مبادئ، وما أكثر رجال المصالح، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، أما رجل المبدأ لا يستجيب لا للضغوط ولا للمغريات، ولا يستجيب لسياط الجلادين اللاذعة، ولا لسبائك الذهب اللامعة، رجل مبدأ .
ما هو المطلوب من المسلم في هذا العصر ؟
أخواننا الكرام، أتمنى على كل مسلم في هذه الأيام في مجموعة نقاط في حياته اسمها الثوابت، هذه لا تخضع لا للحوار ولا للمساومة، ولا لأنصاف الحلول، المؤمن يقول كلمة لا بملء فمه، هذا المؤمن، وكذلك المؤمنة، امرأة فرعون، فرعون بطغيانه، وجبروته، وادعائه الألوهية لم يستطع أن يقنع زوجته أن تعبده من دون الله،
قالت:
(رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
[سورة التحريم الآية : 11]
هذا الإنسان الإمعة سريعاً ما ينهار، سريعاً ما يبدل، سريعاً ما يغير، يقبل المساومة، يقبل أنصاف الحلول، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، هذا الإنسان لو هناك مئة مليون منه كأف، والواحد من أصحاب رسول الله كألف .
سيدنا خالد معه ثلاثون ألف مقاتل، واجه ثلاثة مئة ألف، فطلب النجدة من أبي بكر، وهو يعتقد أن يرسل له خمسين ألفًا، فجاء المدد واحد، اسمه القعقاع بن عمر، قال له: يا قعقاع ، أين المدد؟ قال: أنا المدد، قال له: أنت؟! قال له: أنا، وهذا الكتاب من أبي بكر، قرأ الكتاب ، قال: والله يا خالد، والذي نفس محمد بيده، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم
واحد كألف، والألف كأف، حال واحد في ألف أقوى من قول ألف في واحد، ألف إنسان متكلم لا يستطيعون أن يؤثروا بواحد، وواحد موصول بالله عز وجل يؤثر بألف .
يا ترى إذا ترك الإنسان المؤمن شيئاً لله هل يمكن أن يضيعه ؟
أيها الأخوة, في حياتنا المعاصرة عُرض عليك صفقة أرباحها فلكية، لكن المادة محرمة، أو الطريقة محرمة، أو الأسلوب محرم، هل تقول: معاذ الله؟ وتضع هذا الربح الكبير تحت قدمك، عندئذٍ تنال الدنيا والآخرة، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له ومالنا,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه
[ورد في السيرة]
والله هناك قصص لا تعد ولا تحصى في تاريخ الدعوة، مؤمن صادق أمامه إغراء كبير، تحل بهذا المبلغ كل مشكلاته، لكن فيه شبهة، يضع هذا الثمن تحت قدمه، ويقول: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، والله تأتيه الدنيا وهي راغمة، والله زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق هذه المقولة لرسوله،
ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه
موقف أبو طالب من فعل النبي بعد عرض عليه رأي قريش بهذا الأمر :
أيها الأخوة, فلما ولى النبي عليه الصلاة والسلام ناداه أبو طالب، أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبداً ـ أخذ قرارًا ـ .
هذه القصة تبين قيمة المواقف المبدئية، أنت إنسان، وأنت لله، وكل شيء بيد الله، حياتك بيده، رزقك بيده، من هم فوقك بيده، من هم دونك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، صحتك بيده، الشرايين التاجية في قلبك بيده، أجهزتك بيده, كل شيء بيده، فلذلك المؤمن يرضي جهة واحدة ولا يعبأ بالباقين,
قال تعالى:
(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
[سورة يوسف الآية: 39]
إذاً: أول حركة من حركات قريش أنها أتت أبا طالب كي يضغط على ابن أخيه ليكف عن دعوته، هذه المحاولة أخفقت .
2. عمدت قريش إلى إنزال الأذى والتعذيب بالمستضعفين :
الآن طبقوا خطة ثانية، عمدوا إلى المستضعفين في الأرض من المسلمين، أنزلوا بهم من الأذى والاضطهاد والتعذيب الشيء الكثير، أمر عليه الصلاة والسلام هؤلاء المستضعفين الفقراء الذين نكلت بهم قريش، بالهجرة إلى الحبشة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:
لأنها أرض صدق بها ملك لا يظلم أحداً
فهاجر عدد من الرجال والنساء في السنة الخامسة، ثم لحق بهم مهاجرون آخرون بعد بضعة شهور، حتى وصلوا إلى 83 رجلاً مع بعض النساء، أن تنعم بالإسلام في هذه البلدة، وأن تنشأ هذه المساجد، وأن تقام هذه الدروس، بفضل أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين تركوا مكة، وهاجروا إلى أرض الحبشة خائفين .
أيها الأخوة,
يقول عليه الصلاة والسلام:
اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا، أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجره سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون
[ورد في الأثر]
أخوانا الكرام، نحن في هذا الزمان وصفه النبي وصفاً رائعاً,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف، ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون
[ورد في الدنيا]
شاعر في عهد سيدنا عمر دخل السجن, لأنه قال في واحد:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها***واقعد فأنت الطاعم الكاسي
هذا البيت الذي دخل من نظمه السجن شعار كل إنسان الآن:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها***واقعد فأنت الطاعم الكاسي
أيها الأخوة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:
العبادة في الهرج ـ في زمن الفتن ـ كهجرة إلي
[أخرجه أحمد في مسنده]
الشاب التائب والشابة التائبة التي تركل بقدمها كل مغريات الأزياء، وتحتشم، وتتحجب، والله هي مهاجرة في سبيل الله,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]
3. إرسال وفد إلى النجاشي لطرد هؤلاء من الحبشة وتسليمهم لقريش :
التاريخ يعيد نفسه، قريش خافت من أن ينتشر الإسلام خارج مكة، فأرسلت رجلين إلى النجاشي ملك الحبشة محملين بالهدايا القيمة بغية استعادة المهاجرين إلى مكة، فلما طلبا من النجاشي تسليمهم، استدعاهم النجاشي وسألهم عن أمرهم، فتحدث نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وعرض بإيجاز جوهر دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه:
أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته, وعفافه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباءنا من الحجارة والأوثان
[أخرجه أحمد عن أم سلمة في مسنده]
أيها الأخوة، الصدق والأمانة والعفاف أركان الأخلاق، إن تكلم فهو صادق، إن عاملته فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، هذا تعريف الإسلام من صحابي جليل،
…وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات…
هذا الإسلام، الإسلام مكارم أخلاق بعد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر وخيره وشره، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك بالخلق زاد عليك في الإيمان, د
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وإنما بعثت معلم
[أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر في سننه]
إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق
[أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده]
أخواننا الكرام، الصلاة التي هي عماد الدين، تسقط حينما لا تكون أخلاقياً، كيف؟ سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه:
أتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟ قالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله! من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمّ طُرِحَ في النّار
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباء منثورا, قيل: يا رسول الله! جلهم لنا، قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها
[ورد في الأثر]
الصلاة طارت .
الحج:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك
[ورد في الأثر]
الحج طار .
الصيام:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من لم يدع قول الزور، والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه
[أخرجه أحمد في مسنده عن أبي هريرة]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش
[أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة في سننه]
طار الصيام .
بقيت الزكاة:
قال الله تعالى:
(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ)
[سورة التوبة الآية: 53]
بقيت الشهادة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله
[ورد في الأثر]
ألا تكفي هذه الأدلة حتى تتيقن أن العبادة الشعائرية إن لم تسبقها عبادة تعاملية لا قيمة لها، ولا يقبلها الله عز وجل وقد تسقط, لذلك الدين مجموعة قيم أخلاقية .
لأوضح لكم الحقيقة,
قال عليه الصلاة والسلام:
بني الإسلام على خمس
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
أركان الإسلام هي الأعمدة، وليس الإسلام، الإسلام هو البناء الأخلاقي، هذا كلام سيد الفصحاء، كلام مبعوث العناية الإلهية, كلام سيد الخلق، وحبيب الحق،
يا رسول الله! إن فلانة تكثر من صلاتها ـ الفرائض والضحى والأوابين وقيام الليل ـ وصدقتها، وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار
[أخرجه الترمذي في سننه]
دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض
[أخرجه البخاري في الصحيح]
النمام لا يدخل الجنة، العبادات الشعائرية لا تصح، ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية،
4. عمدت قريش إلى ترويج الاتهامات الباطلة بحق النبي ودعوته :
الآن لجأت قريش إلى أسلوب آخر، أولاً لجؤوا إلى أبي طالب فلم ينجحوا، ولجؤوا إلى تعذيب الضعفاء من قريش فهاجروا، أرسلوا وفداً لاسترجاعهم فلم يفلحوا، الآن لجأت قريش إلى ترويج الاتهامات الباطلة، لصد الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحملة الإعلامية، التاريخ يعيد نفسه, من هذه الاتهامات:
1. اتهموه بالجنون:
وفي ذلك قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)
[سورة الحجر الآية: 6]
يستطيع مواطن بأي دولة بالعالم الثالث, يقول لمن يقف على رأس هذه الدولة: مجنون، وينام في بيته, ماذا نستنبط؟ أن يقول هؤلاء لسيد الخلق وحبيب الحق: إنك لمجنون معنى ذلك أنه ضعيف، أليس كذلك؟
(إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)
[سورة الحجر الآية: 6]
فما الحكمة من كون النبي ضعيفاً؟ لأن القوي لو جاء بهذه الرسالة لدخل الملايين المملينة بيوم واحد فيها، لا إيماناً، ولا حباً بالله، ولا طاعةً له، ولا عبادة له, وإنما خوفاً وطمعاً فقط، لو أن الأنبياء أقوياء لسقطت دعوتهم، الأنبياء ضعاف، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، بل:
(لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً)
[سورة الأعراف الآية : 188]
(وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)
[سورة هود الآية : 31]
(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)
[سورة الأنعام الآية: 15]
لا يعلم الغيب، ولا يملك لهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم، حكمة أن يكون النبي ضعيفاً، ليكون الإيمان به حقيقياً، ما عنده شيء يعطيه لمن يؤمن به، الناس لا يخافونه ولا يرجونه، لذلك الذي يؤمن برسول الله، وهو ضعيف، هذا أعلى درجة من الإيمان، لا يبتغي نفعاً، ولا يخاف ضيماً، إنما آمن بالله، وآمن برسوله، لأنه فعلاً رسوله،
قال تعالى:
(يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)
[سورة الحجر الآية: 6]
الله عز وجل رد عليهم، فقال:
(مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)
[سورة القلم الآية: 3]
(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)
[سورة هود الآية: 28]
وفي آية ثانية:
(وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)
[سورة القلم الآية: 51]
من هو المجنون ؟
النبي الكريم رأى في الطريق مجنون, فسأل سؤال العارف, فقال: من هذا؟ قالوا: هذا مجنون، قال: لا‍‍‍‍، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله،
هذا هو المجنون
وقد يسأل سائل : فلان معه دكتوراه، هذا ذكي وليس عاقلاً، أما إدراك شمولي بسر وجودك، وغاية وجودك، وطريق سلامتك، وسعادتك هذا العاقل، لذلك ما كل ذكي بعاقل،
قال تعالى:
(مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)
[سورة القلم الآية: 3]
2. اتهموه بالكذب والسحر:
وفي ذلك قوله تعالى:
(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)
[سورة ص الآية: 4]
(وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً)
[سورة الفرقان الآية: 8]
الآن قد اقترب موسم الحج، فالوليد بن المغيرة خاف أن ينتشر خبر هذه البعثة، وهذا القرآن بين القبائل التي تأتي للحج، فتضعف مكانة قريش، أخذهم الهم، ماذا نفعل؟ ماذا نقول؟ لذلك قال لهم الوليد: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وأن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، أرادوا أن يتفقوا على رواية إذا جاءهم الوفد يعطونه إياها، طبعاً استبعدوا أنه كاهن، واستبعدوا أنه شاعر، إلا أنهم اتفقوا على أن يقولوا: إنه ساحر، لأنه يفرق بين الأقارب، فأنزل الله في الوليد,
قال تعالى:
(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ* كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ)
[سورة المدثر الآية: 11- 23]
استكبر عن الإيمان،
فَقَالَ بالنهاية:
(فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ)
[سورة المدثر الآية: 24]
هذا النبي ساحر,
قال تعالى:
(إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)
[سورة المدثر الآية: 25- 30]
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ)
[سورة الفرقان الآية : 4]
3. اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالإتيان بالأساطير:
ولا زلنا في الحملة الإعلامية التي أرادتها قريش كي يشوه سمعة النبي عليه الصلاة والسلام،
قال تعالى:
(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)
[سورة الفرقان الآية : 5]
واتهموا المؤمنين بالضلالة,
قال تعالى:
(وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ)
[سورة المطففين الآية: 32]
4. ما الحكمة من إثبات إتهامات الكفار للنبي في القرآن؟
لماذا أثبت الله اتهام كفار قريش لرسول الله بأنه مجنون، وبأنه ساحر، وبأنه كذاب، ما الحكمة؟ لو ما جاءت في القرآن, القضية انطوت, لكن هذا أعلى إنسان بالأمة، أعلى إنسان بين بني البشر، سيد ولد آدم، سيد الخلق وحبيب الحق، فلماذا أثبت يا رب أنه مجنون في كتابك؟ هذا مواساة للدعاة إلى يوم القيامة، إذا اتهمت بأنك لست حضارياً, إذا اتهمت بأنك متزمت، إذا اتهمت بأنك غيبي، تبحث فيما وراء الطبيعة، إذا اتهمت بأنك محدود، سيد الخلق وحبيب الحق اتهم بأنه مجنون، وأثبتها الله في القرآن الكريم, فهو قدوة لك .
لماذا تتهم السيدة عائشة، وهي زوجة سيد الخلق، وهي الطاهرة العفيفة بأنها زانية في حديث الإفك، لماذا؟ من أجل أية مؤمنة إلى يوم القيامة اتهمت وهي بريئة، لها بالسيدة عائشة أسوة حسنة، لماذا دخل نبي كريم السجن؟ سيدنا يوسف، من أجل كل سجين بريء، اتهم ظلماً ، مواساة له، لماذا كان ابن سيدنا نوح عاق؟ إكراماً لكل أب قدر الله له ابن سيئاً، لماذا كان والد سيدنا إبراهيم سيء مشرك، قد يواجه شاب أن أبوه سيء لا يصلي، يحارب الدين, يحارب الابن الذي يصلي، مواساة لهذا الشاب، هناك نبي زوجته سيئة جداً، امرأة لوط,
قال تعالى:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)
[سورة التحريم الآية : 10]
الذي عنده زوجة سيئة يمكن أن يكون هذان النبيان أسوة له، الذي عنده عقم، سيدنا زكريا كان عقيما، سيدنا أيوب كان مريضا، الله عز وجل جعل الأنبياء نماذج إنسانية .
لذلك ورد في بعض الآثار أن سيدنا موسى كليم الله أثناء المناجاة, قال: يا رب، لا تبقِ لي عدواً، قال: يا موسى، هذه ليست لي
يعني لا بد من عدو للمؤمن، بل بعضهم, قال:
المؤمن لا بد له من كافر يقاتله، ومن منافق يبغضه، ومن مؤمن يحسده، ومن شيطان يغويه، ومن نفس ترديه
العدو الثالث مؤمن، لكنه ضيق الأفق، يحسدك، بدل أن يسأل الله من فضله
5. الأساليب التي اتخذتها قريش عند فشلها بإخفاق دعوة النبي لتنال الغيظ منه :
الآن لجأت قريش إلى حملة السخرية والاستهزاء، والضحك، والغمز واللمز والتعالي على رسول الله صلى الله وسلم وعلى المؤمنين،
قال الله عز وجل:
(وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)
[سورة الأنعام الآية: 53]
هؤلاء ينظرون إلى المؤمنين ازدراء واحتقاراً .
روى أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ساخرة مستهزئة: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله تعالى:
(وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)
[سورة الضحى الآية: 1-3]
إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك .
وروى أيضاً أن أبو جهل قال مستهزئا: اللهم إن كان هذا الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم, فنزل قوله تعالى:
(وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
[سورة الأنفال الآية: 32- 34]
وقال الله عن ضحكهم وغمزهم:
(إِنَّ الّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهَينَ)
[سورة المطففين : 29 ـ 31 ]
أخواننا الكرام، هل تحبون أن أقول لكم من هو البطل؟ هو الذي يضحك أخيراً,
قال تعالى:
(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ)
[سورة المطففين الآية: 34]
لا تكن من الذين يضحكون أولاً، فالذي يضحك أولاً يبكي آخراً، قال تعالى:
(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ)
ومن منطلق الاستعلاء والسخرية, قال المشركون: لا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء، من هم؟ يعنون صهيباً وبلالاً وخباباً, لا يجلسون مع هؤلاء استكباراً وعلواً في الأرض، فقال الله عز وجل:
(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)
[سورة الأنعام الآية: 52]
ومر النبي صلى الله عليه وسلم بجماعة من قريش فهمزوه، واستهزؤوا به، فغاضه ذلك، فأنزل الله عز وجل:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُون)
[سورة الأنعام الآية: 10]
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)
[سورة فصلت الآية: 26]
الملخص:
أيها الأخوة، هذه مواقف قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدؤوا بأبي طالب على أن يتخلى عن ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتجهوا إلى تعذيب المستضعفين، ثم اتجهوا إلى ترويج حملة إعلامية ظالمة، اتهموه بالشرك وبالسحر وبالكذب وبالأساطير، ثم اتجهوا بالاستهزاء به والسخرية منه، والغمز واللمز، وهذا كله يبين لنا أن حمل الرسالة عبء كبير، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهلاً لها، ولقد أقسم الله بعمره الثمين,
قال الله تعالى:
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)
[سورة الحجر الآية: 72]

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة

المشاركات الشائعة