‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخلاق النبي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخلاق النبي. إظهار كافة الرسائل


بسم الله الرحمن الرحيم... 

من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم عدله
كان عليه الصلاة والسلام أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى ، قوَّاماً بالقسط ،
بعض الناس ، يموت الأب ، الأولاد الأقوياء يأخذون كل الميراث ، البنات ليس لهم شيء ، فليس هناك وقوف عند الحقوق ، يصلي ، وعليه حقوق ، يصوم ، وعليه ذمم ، يحج ، ويغتصب محل تجاري ، يخدع شريكه ويأخذ ماله ، فمثل هذه النماذج لا قيمة لها عند الله ، لا قيمة لها عند الله أبداً ما لم تؤدي الحقوق ، أداء الحقوق مقدمٌ على كل أنواع العبادات .
هل هناك أبلغ ممن استشهاد في سبيل الله ؟ فهذا أعلى عمل على الإطلاق ، ما قدم ماله ، قدم روحه ، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يسأل أهل الشهيد : أعَليه دين ؟ فإن قالوا : عليه دين ، لا يصلي عليه حتى يُؤدى دينه
وقد قال عليه الصلاة والسلام :
يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلا الدَّيْنَ
[من صحيح مسلم : عن عمرو بن العاص]
شهيد لكن كل شيء بحسابه ،
إخواننا الكرام حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة ، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة.
فترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام
فالبطولة أن تؤدي الحقوق .
كان عليه الصلاة والسلام أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى ، قوَّاماً بالقسط ، منتصراً للحق ، حيث كان الحق ، مع القوي أو مع الضعيف ، مع الغني أو مع الفقير ، فالناس من ضعف نفوسهم يجاملوا الغني ، إذا احتكم لك غني وفقير ، وأنت لا تشعر مع الغني ، حكمنا لك ـ أعوذ بالله ـ مع القوي والضعيف ، مع القوي مع الغني دائماً ، هو كان مع الحق مع القوي أو مع الضعيف ، مع الغني أو مع الفقير ، فهو كان مع الحق ، مع القوي أو مع الضعيف ، مع الغني أو مع الفقير ، مع الكبير أو مع الصغير ، مع الرجل أو مع المرأة ، أهل الفتاة مع ابنتهم ، ابنتهم على حق دائماً ، ولا يتنازل الأب يسأل الصهر : ماذا فعلت معك ابنتي ؟ يأخذ من ابنته الكلام وانتهى الأمر ، أخذ من ابنته كل شيء ، انحياز أعمى ، ظلم ، عدل ساعةٍ أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، عدل ساعة ، أن تعدل بين ابنتك وزوجها ، الحق على ابنتك ، قل لها : الحق عليكِ . محاباة ، أهل الزوج مع ابنهم ولو كان وحشًا ، وأهل الزوجة مع ابنتهم ولو كانت ابنتهم ماكرة وخادعة .
مع القوي أو الضعيف ، مع الغني أو الفقير ، مع الكبير أو الصغير، مع الرجل أو المرأة ، مع الحُر أو العبد .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت:
أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا
المجتمع الراقي المبادئ كبيرة جداً ، والأشخاص صغيرون جداً ، المجتمع المتخلف المبادئ صغيرة والأشخاص كبيرون ،
أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ فقال أسامة : استغفر لي يا رسول الله ـ ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، وحسنت توبتها بعد ذلك ، وتزوجت ،
وقالت عائشة عنها : أنها كانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
مجتمع العدل ، لا يوجد فيه تفاوف ، بدأ بابنته صلى الله عليه وسلم
وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا
يقولون عن قاضٍ طرق بابه ، فسأل غلامه : من الطارق ؟ قال رجلٌ قدم لك هذا الطبق من الرطب ، وكان هذا القاضي معروفاً في المدينة بحبه للرطب في بواكيرها ، فقال القاضي لغلامه : صف لي هذا الرجل ، وصفه له ، فعرف هذا القاضي أن هذا الرجل أحد الخصوم عنده، فرد له الطبق ، ولم يأخذه منه ، بعد حين رفع إلى الخليفة طلباً بإعفائه من منصبه، فقل الخليفة له : لماذا ؟ قال والله جاءني متخاصمان ، بعث إلي أحدهما بطبقٍ من الرطب في بواكيره، فرددته ، في اليوم التالي وأنا أفصل بينهما تمنَّيت أن يكون الحق مع الذي قدَّم لي هذا الطبق ، هذا مع أني رفضته ، فكيف لو قبلته ؟ الطبق رفضه ، وتمنى أن يكون الحق مع الذي قدَّم طبق الرطب ، قال : فكيف لو قبلته ؟ هكذا النزاهة.
عَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِيَهُودِيٍّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لِي عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَيْهَا فَقَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا قَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى خَيْبَرَ فَأَرْجُو أَنْ تُغْنِمَنَا شَيْئًا فَأَرْجِعُ فَأَقْضِيهِ قَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ ثَلَاثًا لَمْ يُرَاجَعْ فَخَرَجَ بِهِ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ إِلَى السُّوقِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِصَابَةٌ وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِبُرْدٍ فَنَزَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ فَاتَّزَرَ بِهَا وَنَزَعَ الْبُرْدَةَ فَقَالَ اشْتَرِ مِنِّي هَذِهِ الْبُرْدَةَ فَبَاعَهَا مِنْهُ بِأَرْبَعَةِ الدَّرَاهِمِ فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ مَا لَكَ يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أي سألت ابن أبي حدرد عن حاله ـ فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ هَا دُونَكَ هَذَا بِبُرْدٍ عَلَيْهَا طَرَحَتْهُ عَلَيْهِ
كيف كان الحق عظيم ؟! يهودي اشتكى على مسلم له عليه أربعة دراهم ، فالنبي قال له : ادفع له حقه ، أول مرة والثانية والثالثة ، ما كان من هذا الصحابي إلا أن لف نفسه بعمامته وباع ثوبه ، ودفع لليهودي حقه.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :
كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا فَقَالَ لَهُمْ اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ قَالَ فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً
[متفق عليه]
أي أن الله سمح له أن يغلظ له بالقول ، ليظهر كمال النبي ، ليظهر حلمه ، ليظهر عدله ـ حتى هَمَّ به بعض القوم
وكان أعرابياً، فقال عليه الصلاة والسلام:
إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالً
اسمع منه ، واحد مظلوم ، واحد مقهور ، واحد فقير له حاجة ، اسمع منه، قال :
إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ـ ثم قال : أعطوه
فطلبوا سنَّه ـ أي الناقة التي في السن التي دفعها للنبي ـ فلم يجدوا إلا سناً فوقها ـ أي أحسن منها ـ فقال عليه الصلاة والسلام :
أعطوه
فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله تعالى . فقال عليه الصلاة والسلام :
فَإِنَّ مِنْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً
أيضاً هذه القصة وقف فيها النبي الموقف الكامل ، الأعرابي كان فظاً ، غليظاً ، تجاوز حده ، لكن لقي في صدر النبي السعة والحلم ، وكان النبي حريصاً على أداء الحق وزيادة ، أعطوه ناقةً في سنٍ فوق السن التي أخذها منه النبي .
وكان صلى الله عليه وسلم يتحاكم إليه قبل البعثة أيضاً الخصوم ، لمَ عرفوا من عدله وأمانته ،
قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه :
كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الإسلام
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
والله إني لأمينٌ في السماء ، أمين في الأرض
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :
أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ قَالَ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ
[مسلم]
أرجو الله أن يكون واضحاً عندكم أن هذا الخلق ، العدل ، فلا تنحز لأحد ، لا تنحز لابنتك ، لا تنحز لابنك ، لا تنحز لشريكك ، كن مع الحق ، هذه بطولتك ، لعل شريك على خطأ ، انصره ظالماً بالأخذ على يده ، لعل ابنك مخطئ ، انصره بالأخذ على يده ، لعل ابنتك مخطئة ، انصرها بالأخذ على يدها ، هذا الإيمان ، أما المحاباة ، والتعصب ، والانحياز الأعمى هذا يسقط الإنسان ولا يرفعه.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم... 

أيها الإخوة المؤمنون ؛ من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم عظيم حيائه صلى الله عليه
الخُلق الذي أثنى الله عليه في النبي الكريم هو خُلُقه الحسن:
أيها الإخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون سيد الخلق وحبيب الحق ، وهو صفوة الله من خلقه ، وهو سيد الأنبياء والمرسلين ، وهو سيد ولد آدم بنصوص قطعية الدلالة والثبوت ، فلما أراد ربنا سبحانه وتعالى أن يثني عليه ، فلو أنه وصفه بخطابته التي لا تعلو عليها خطابة ، ولو وصفه بعلمه ، ولو وصفه بقيادته ، لو وصفه باجتهاده ، لو وصفه باستنباطه ، لو وصفه بفتواه ، لو وصفه بقضائه ، لكانت هذه الأوصاف صحيحة ، وهي صفات فذّة ، لكن الله جل جلاله حينما أراد أن يثني على نبيه الكريم ما أثنى عليه إلا بحسن خلقه ، وهذه هي الصفة العظمى ،
قال تعالى :
(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)
[سورة القلم]
هذه قضية يجب أن تكون ماثلةً نصب أعيننا ، الإنسان إذا آتاه الله قدرةً عقليةً فائقة ربما تفوق في اختصاصه ، تفوق في كتابته ، تفوق في إلقائه ، تفوق في استنباطه ، في حفظه ، هذه قدرات عقلية لا ترفع صاحبها عند الله ما لم تستخدم في الحق ،
لكنَّ الذي يسعدك في الجنة إلى أبد الآبدين أن تكون ذا خلق حسن
والله سبحانه وتعالى حينما أثنى على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ما أثنى عليه إلا بالخلق الحسن ، فإذا أردت أن تكون قريباً من الله عز وجل فكن ذا خلق حسن.
الإيمان والحياء متلازمين :
الآن ندخل في شميلة من شمائله صلى الله عليه وسلم ألا وهي حياؤه ،
فقد كان عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً ، لأنه أعظمهم إيماناً
وثمَّةَ علاقةً طردية مترابطةً بين الحياء والإيمان ، فالحياء والإيمان قُرِنا معاً ، فإذا زال أحدهما زال الآخر ، الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً ، فالذي لا يستحيي لا خير فيه ، الوقح لا خير فيه ، الذي لا يبالي بسلامة سمعته لا خير فيه ،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ
[الترمذي ـ أحمد]
إذا كان في المرء حياء ففيه إيمان ، وإذا كان فيه إيمان ففيه حياء ، إذا أَثبتَّ أحدهما أثبتَّ الآخر ، إذا أثبتَّ لإنسان أنه مؤمن فهو حيِيٌّ طبعاً ، وإن أثبتّ له الحياء فهو مؤمن وربِّ الكعبة ، فالذي لا يستحي ليس مؤمنًا ،
يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام استأجر أجيراً في بناء ، فاغتسل عرياناً ، فقال له :
خذ أجارتك ، لا حاجة لنا بك ، فإني أراك لا تستحيي من الله
كلمة حياء تعني إيمان ، إنْ لم يكن الحياء عند الرجل فلا إيمان له ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا
[البخاري ـ مسلم ـ ابن ماجة ـ أحمد]
المؤمن يستحيي ،
الحياء خلق يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير
الحياء أيها الإخوة خلق يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير ،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ
[الترمذي ـ أحمد]
هذه العين ، هذه النعمة العظيمة هل تنظر بها إلى عورات المسلمين ، هذه الأذن النعمة الجليلة هل تستمع بها إلى ما يغضب الله عز وجل ، إلى غناء ، أو نميمة ، أو فسق ، أو فجور .
… أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى …
هل تسمح لنفسك أن تُدخِل إلى معدتك طعاماً حراماً ، في الرأس عينان ، وأذنان ، ولسان ، والبطن فيه معدة ، والمعدة فيها طعام ، فإذا حفظت الرأس وما فيه من حواس من أن تعصي الله عز وجل ، وحفظت البطن من أن تدخل عليه مالاً حراماً أو طعاماً حراماً فقد استحييتَ من الله تعالى حقًّا .
معنى ذلك أن الحياء يحملك على فعل الخيرات ، وفعل الكمال ، وفعل الجميل ، وأن الحياء يمنعك من فعل السيئات ، وفعل القبائح ، وفعل المنكرات ، فالحياء والإيمان واحد ، الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا ، فإذا رُفِع أحدهما رُفِع الآخر ، إذًا هناك مؤشران للحياء والإيمان ؛ هذان المؤشران يتحركان معاً .
أحياناً الحياء يحجبك عن معصية ، عن فعل شنيع ، عن فعل قبيح ، عن إيقاع أذى ،
الحياء والخجل :
لكن أريد أن أنبه أيها الإخوة أن الحياء شيء ، والخجل شيء آخر ، الخجل أن تستحيي أن تطلب حقك، أن تستحي أن تُدليَ بالحق ، أن تذكِّر بأمر الله ، أن تأمر بالمعروف ، أن تنهى عن المنكر ، تستحيي أن تقول للمخطئ إنك مخطئ ، هذا ليس حياءً ، فالحياء فضيلة ، لكن الخجل نقيصة .
الخجل أُدْرِج في علم النفس مع الأمراض النفسية ، لكن الحياء أدرج مع الفضائل ، الحياء فضيلة ، لكن الخجل رذيلة ،
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ
[البخاري ـ مسلم ـ أبو داود ـ أحمد]
من مظاهر حيائه صلى الله عليه وسلم :
قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه :
إنما أنا رحمة مهداة ، ونعمة مزجاة
1. فمن حيائه أنه لم يواجه أحداً بما يكره :
وقد ورد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم :
وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ
فمن شدة حيائه فهو يستحيي أن يواجه الناس بأخطائهم، فإذا تجاوز إنسان حدَّه معه ، وإذا فعل إنسان نقيصةً أمامه ، وهو يستحيي أن يواجه بخطأ الناس ، عرفنا ذلك من وجهه .
وقد بلغ من حياء النبي صلى الله عليه وسلم – دققوا -أنه لم يواجه أحداً بما يكره ، هناك إنسان طبيعته وقحة ، يرى إنساناً جالسًا بين مجموعة فيقول له : أنت غلطت ، وقلت كذا ، لا يراعي كرامته ، وإحساسه الرقيق ، ومشاعره ، بل يَفْضحه بين الناس ، أنت ممكن أن تنصحه بين الناس بألطف عبارة ، وبأدق إشارة من دون قسوة ، من دون تجريح ، من دون فضح ، لذلك قالوا النصيحة شيء ، والفضيحة شيء آخر .
وهذه نصيحة أيها الإخوة ، إذا أردت أن يتشنج الإنسان ، وأن يركب رأسه ، وأن يقول لك قولاً غليظًا جرحًا فوَجِّهْ إليه نقداً أمام ملأ من الناس ، عندئذٍ لن يكون منطقياً ، ولا واقعياً ، ولا متفهماً لكلامك ، لأنك ربطت بين النصيحة والفضيحة ، أما إذا أردت الخير فلا تفضح أحداً على ملأ من الناس ، ولكن انفرد به ، وانتقِ أجمل عبارةٍ ، وأدق إشارةٍ ، وكن مخلصاً في إسداء هذه النصيحة حتى يتقبلها أخوك ، وفي هذا عمل جليل .
2. يُرسل من ينصح المخطئ حتى لا يُحرجه أمامه :
من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أصحابه أن يوجهوا صحابياً إلى خطئه ، لأن النبي مقامه كريم ، فإذا هو نصحه أمامه يصغر ، ويقع في إشكال ، فإذا كان الإنسان يستيحي منك فلا تدقق كثيرًا ، ولا تحرجه ، ولا تقتحم عليه عالمه الخاص ، فلو فرضنا إنسانًا دخل على غرفة ابنه ، فقد يكون ابنه في تلك اللحظة قائمًا يغيِّر ملابسه ، فليُحْدِثْ حركةً أو صوتًا قبل أنْ يدخل عليه ، وقد يكون جالسًا جلسة غير مقبولة ففاجأته ، فاقْرَع الباب حتى يشعر أنك تريد أنْ تدخل غرفته ، أو نادِ أخاه الثاني أمام غرفته ، فيأخذ حذره ، ويتهيَّأ ، أو يعتدل في شأنه ، الإنسان الذي يستحيي فاستَحْيِ منه ، والذي يستهابك استهَبْهُ ، الذي يحسب لك حسابًا فلا تدقق عليه حتى تبقى أنت في مكانتك ، فإِنْ كان الشخص يهابه ابنُه ، لكنه يقتحمه ، ويقتحمه ، فبعد ذلك يفجر الابن ، وكذلك المعلم ، والمدرس ، والقاضي ،
قال أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى رَجُلٍ صُفْرَةً فَكَرِهَهَا قَالَ لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَغْسِلَ هَذِهِ الصُّفْرَةَ قَالَ وَكَانَ لَا يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَدًا فِي وَجْهِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ
3. يُخفي أخطاء الناس العفوية :
تذكرون كما ورد في السيرة عندما كان النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في دعوة غذاء ، وقد تناولوا لحم الجزور ، يبدو أنه ظهرت رائحة تؤكد أن أحد الحاضرين انتقض وضوءه ، فلما أذن العصر فكل الصحابة متوضؤون ، فمَن الذي سوف يتوضأ ؟ هذا الذي انتقض وضوءه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لعظيم كماله ، وعظيم حيائه قال : من أكل لحم جزور فليتوضأ ، قالوا : كلنا أكلنا ، قال : كلكم توضؤوا.
من أجل أن يستر حال هذا الذي انتقض وضوءه ، هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ،
4. لا يسخدم الكلمات التي فيها توصيف مُحرج لأمور خاصه :
قَالَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ:
كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا
[مسند الإمام أحمد]
أين العظم ؟ العظم لا يظهر في مواطن كثيرة ، وما ذكر شيئًا مٍن أعضاء المرأة .
5. إذا أخطأ شخص أمامه يتحدث عن الخطأ وكأن مجموعة من الناس قامت به :
هناك شيء آخر سأقوله لكم ، قد يرتكب الإنسان غلطة فلا تواجهه صراحةً ،
فكان عليه الصلاة والسلام يقول :
ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا
ويكون واحد هو الذي ارتكب الغلطة ، وهو عندما قال أقوام أخفاه ، دققوا ، فمِن الممكن أن يغلط الإنسان غلطة بمفرده ، أنت يمكنك أن تقول : هناك عدد كبير من الناس يفعلون هذا ، فالجمع أخفاه ، أحياناً ترى مخالفة في مجلس ما، إذا ذكرتها في أثناء وقوعها اتَّجهتْ كلُّ الأنظار إلى المخالف ، ولكن بعد فترة ، والمخالف حكماً مخالفته زالت إذا نبهتَ إليها فلا مانع ، فالمسلم يجب أن يكون نبيهًا ولطيفاً ،
قال تعالى :
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
[سورة آل عمران]
العلماء لهم عند هذه الآية وقفة رائعة ، قالوا : الباء باء السببية ، أيْ بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليّناً لهم ، فلما كنت ليّناً معهم التفّوا حولك ، وأقبلوا عليك ، وأحبوك ، وطبقوا سنتك ، وارتقوا إلى الله عن طريقك ، ونجوا من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وسعدوا بك ، لأن رحمة استقرت في قلبك أدَّت إلى لينك معهم ، واللين جذبهم ، ولو لم تكن هذه الرحمة في قلبك لكنت فظاً غليظاً ، وحينما تكون فظاً غليظاً ينفض الناس من حولك رغم أنه يوحى إليك ، أخي في حيِّنا دكتور قاسٍ ، دكتور بأخلاقه العالية ، إذا كان لديه قسوة ، وإجحاف وكبر ، انصرف الناسُ عنه ، مهما كانت علمه وكانت خبرته ، واعلمْ أنّ شهادتك هي أخلاقك.
6. لا يجرح أحد بكلمة:
ومن ذلك حياؤه صلى الله عليه وسلم من القوم الذين أطالوا الجلوس عنده بعد الأكل ، فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم انصرفوا ، كلمة (انصرف) وقعُها صعب على المؤمن أنْ يتحملها ، فكان لا يتكلم كلمة جارحة ، فهناك أشخاص لو جرح بكلمة يراها فعلتْ جرحاً بليغاً ، وبذلك تخسره .
اسمعوا هذه القاعدة أيها الإخوة ؛ مجموعة تصرفات كثيرة وذكية ، ومجهدة ، تشدّ إنسانًا إليك ، تصرُّفٌ واحد أحمق ينصرف به عنك ، فالانصراف يكفي بحادث واحد أحمق ، كلمة قاسية ، كلمة غير لبقة ، كلمة فيها تعجرف ، فمئةُ تصرف ذكي ، وكامل ، ولطيف تُبذل حتى تشده إليك ، أما التنفير فيكفيه تصرف واحد ليبعده عنك .
فلو كانت هناك دراسة اجتماعية نفسية تجد أنّ إنساناً أساء إليه ، فلضعف تفكيره لم يفرق بين الدين وبين هذا الإنسان ، بل جمعهما معاً ، فَكَرِهَ الدين بسبب هذا الإنسان ، نخبة قليلة وقلة قليلة تستطيع أن تفرق بين الدين ، وبين رجال الدين ، بين القيم ، وبين من يدعي هذه القيم ، بين المبادئ والأشخاص ، لكن الكثرة الكاثرة لا تستطيع أن تفرق ، تصرف قاسٍ واحد ، تصرف مجحف واحد ، تصرف واحد فيه كبر ربما صرفتَ به إنسانًا عن هذا الدين العظيم الذي كان من الممكن أن يكون سبب سعادته.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ :لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً فَقُلْتُ لَهَا :افْعَلِي فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِي بُرْمَةٍ فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِي إِلَيْهِ فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: ضَعْهَا ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَالَ : ادْعُ لِي رِجَالاً سَمَّاهُمْ وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ…
وبالمناسبة أذكرُ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قُدِّم إليه طعام فأكله وحده أبداً ، قدَّم هذا الصحابي الجليل هديةً لرسول الله فأمره أنْ يدعوَ قومًا ليأكلوا معه ؛ … قَالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِي أَمَرَنِي فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ وَتَكَلَّمَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَقُولُ لَهُمُ : اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْهَا فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ وَبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْحُجُرَاتِ وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ يَقُولُ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾
[البخاري]
والنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن دعاهم ، وبعد أنْ أطعمهم رآهم استمروا في جلوسهم ، فتضايق واستحيا منهم ، عندئذٍ أنزل الله تعالى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)
[الأحزاب : الآية 53]
والإنسان أحيانا قد دخل بيته الساعة الثالثة ، وعنده الساعة الرابعة موعد ، فلديه إذًا ساعة فراغ واحدة، فإنْ لم يسترِح قليلا فلن يستطيع أنْ يستأنف العمل ، فيأتيه إنسان بعد الساعة الثالثة بقليل بلا سبب وجيه ، بلا أمر مهم ، وبلا أمر قاهر ، مستأنس فقط ، الإنسان يحتاج إلى ملاحظة أنّ هذه الفترة ساعة راحة المرء الوحيدة، وقد يجري بعضهم اتصالاً الساعة الثانية ليلاً ، والموضوع يتعلق بأمور تستطيع أن تنتظر حتى الصباح ، هل من المعقول الاتصال بالليل لفتوى على الهاتف الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، أصحاب القضية سهروا فاختلفوا ، يقولون : نسأل الأستاذ فلاناً ، فهذا ليس معقولاً إطلاقاً ، الإنسان يحتاج إلى ذوق ،
هناك أوقات نوم وراحة ، يطُرق الباب ، وما فُتِح ، تستمر بطرق الباب ، فالأدب أن تنتظر ما يساوي أربع ركعات .
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ ولا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ…
[مسلم ـ أبو داود ـ أحمد]
لذلك قال النبي الكريم :
العيادة فواق ناقة
مريض متألم ، ومضطر لتناول دواء ، حقنة ، جرعة ، يريد أن يأكل ، جاء الطبيب يريد أن يغير له الضمادة ، فهذا حال لا يصح ، وليس مقبولاً لا عقلاً ولا ذوقًا ولا دينًا ،
(إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)
والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم يستحيي حياء كرم ، فلن يقول لضيوفه : انصرفوا ، فهذه ثقيلة ، إذا قلت لإنسان : انصرف فمن الممكن ألاّ يدخل بيتك في حياته ، وهذا شيء وقع، فالنبي كان يستحيي ، وإذا كان يستحيي فالمفروض على الطرف الثاني أيضاً أن يكون لطيفاً ، قالوا : المراد أنه صلى الله عليه وسلم يستحيي حياء كرم أن يقول لضيوفه : انصرفوا ، واللهُ لا يستيحي من بيان الواجب اتباعه ، وهذا لا ينافي أنه سبحانه و تعالى متصف بحياء الكرم ،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا
[رواه أبو داود]
أي خاليتين ، فالله عز وجل كريم ، إنْ قلت : يا رب بإخلاص ثم لا يلبِّي دعاءك ، فهذا غير صحيح .
أنواع الحياء :
العلماء ذكروا أن للحياء أنواعاً
النوع الأول: حياء الكرم :
وسببه كرم النفس كاستحيائه صلى الله عليه وسلم من القوم لما أطالوا الجلوس عنده ، ضيف دخل بيتك ، وليس عندك شيء لتضيفه فتستحيي ، هذا حياء الكرم ، زارك ضيف ولم تكرمه ، أو طلب منك شيئاً ، ولم تلبِّه، أو وسّطك لقضية فخيَّبتَ ظنه فيها ،
قال سيدنا عليًّا:
واللهِ والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين ، و نقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين
تقف بباب اللئيم ثم يردك ، لذلك فالنبي عليه الصلاة و السلام ما سئل عن شيء فقال : لا ، رجل وضع ثقته بك ، والله كريم لا تخيب ظنه بك ، هذا حياء الكرم ،
النوع الثاني: حياء الإجلال :
فهو حياء سببه المعرفة بعظمة المستحيا منه ، أي أنت طالب والأستاذ حضر عندك درس ومذاكرة فخجلت من مقامه ، طلاب العلم المخلصين يستحيون ممن تفوَّق عليهم بالعلم ، أن يتفلسفوا أمامه ، أو يتطاولوا، والإنسان إذا كان عنده هذا الأدب لا يتجاوز حده مع من علَّمه ، فهذا حياء الإجلال ،
والنبي عليه الصلاة و السلام قال :
وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ قَلْبًا
[رواه أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
فكان أصحابه الكرام أمامه لا يتكلمون إجلالاً لمقامه العلمي ، يقال : سكت إجلالاً لعلمك ، أحياناً تجد رجلاً علمه قليل ومِن دون دقة ، ومن دون دليل ، من دون برهان ، و بحضرة عالم جليل هو يتكلم خمس دقائق، ربع ساعة ، نصف ساعة ، وكلامه كله أغلاط ، أو كله ضحالة ، فالإنسان يجب أن يستحيي ممن تفوَّق عليه ، أحيانًا طبيب ناشئ مع طبيب كبير ، تاجر صغير فتح محلاً البارحة مع تاجر قضى أربعين سنة بالتجارة ، ممرض أمام طبيب مثلاً ، إنسان برتبة دنيا أمام إنسان برتبة عالية ، الحياء دليل الإيمان ، هذا حياء الهيبة والإجلال ، الإنسان من الأكمل أمام من تفوّق عليه أن يقف بحياء ، حياء المحبة ، وهذا حياء المُحبِّ من محبوبه ، فيستحي أن يسيء إليه لأنه يحبه .
النوع الثالث: حياء العبودية :
حياء العبودية فيه محبة وخوف ، رغباً ورهباً ، يرجو ويخاف ، يطمع برحمة الله ويخاف عقابه ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك ، هذا حياء العبودية يجب أن يجمع بين الخوف والرجاء ، أمّا خوف فقط معه يأس ، ورجاء معه تفلُّت ، فربنا عز وجل قد يؤدِّب فاعلَه ، مثلاً يرى المؤمن حين تزداد ثقته بنفسه ، وثقته بأن الله يحبه يتساهل قليلاً ، إذا تساهل فالله عز وجل يحجبه ، ينكمش لكنه يرجع بعد حين أكثر أدبًا ، وحتى لا ييأس فقد يفتح الله عليه ، أمّا التأديب فإنّ الله سبحانه وتعالى يقلبك من حال إلى حال ، إذا كان حالك حال الثقة الزائدة مع التفلت يأتي الحجاب ، حال اليأس مع القنوط يأتي الفتح ، وعلى كلٍ حياء العبودية يجب أن يجمع بين الخوف والرجاء .
النوع الرابع: حياء المرء من نفسه أو حياء الحشمه:
الإنسان أحيانًا يكون في غرفته ، والباب مقفل ، والنوافذ كذلك، فإذا عمل عملاً لا يليق بمكانه كإنسان فيستحيي من نفسه ويتوقف ، إذا نظف الإنسان نفسه تنظيفًا جيدًا فالنظافة احترام للذات ، فالإنسان وحده لا يعبأ لأنّه لا أحد يراقبه ، لكن ألاَ يستحيي من نفسه ؟ ألاَ يستحي من الله الذي يراه ؟.
فهذا حياء الحشمة ، قالوا : هذا الحياء سببه الاحتشام ، وتَوِّقي إبداء ما يُطلَب منه الإخفاء،
فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ قَالَ :
خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَلاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ
[النسائي ـ ابن ماجة ـ أحمد]
أخبرني إنسان سافر إلى بلد ما وانتسب إلى جامعة من أكبر الجامعات هناك ، طبعاً دخل في المدينة الجامعية ، ففوجئ في أول يوم عطلة حين أراد أن يغتسل قال : صالون ضخم كلها منابع ماء ، ويغتسل كل الطلاب ذكوراً وإناثاً عراةً مختلطين، المراحيض بصالون يضمُّ خمسين مرحاضًا ليس بين اثنين حواجز ، هذا لا يليق بالإنسان ، فإذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء ، أين احترام للذات ؟
عَنْ أَنَسٍ قَال :
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ
[الترمذي ـ أبو داود]
وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل المِرفَق ـ دورة المياه ـ لبس حذاءه وغطى رأسه ،
وكان عليه الصلاة والسلام يغتسل من وراء الحجرات وما رأى أحد عورته قط
[وإسناد هذا الحديث حسن]
الخلاصة :
أيها الإخوة ؛ هذا حياء النبي ، والمؤمن يستحيي ، والحياء من الإيمان ، والحياء والإيمان قُرِنا جميعاً ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ، وإذا أثبت الحياء أثبت الإيمان ، وإذا نقضتَ الحياء نقضتَ الإيمان ، وإذا أثبتَّ الإيمان أثبتَّ الحياء ، والحياء لا يأتي إلا بخير ، والحياء من لوازم الإيمان والحياء من الله ، ألا يستحي أحدنا من الله عز وجل ؟
قال الله في الحديث القدسي:
يا ابن آدم عظ نفسك فإذا وعظتها فعظ غيرك وإلا فاستحْيِ مني
شيء مخجل ، وقاحة في الإنسان أنْ ينصح الناس ولا ينتصح ، يأمرهم ولا يأتمر ، ينهاهم عن شيء ثم يقترفه ، هذا من الوقاحة ومن قلة الحياء ، فاستحيِ من الله حق الحياء ، أجل ، حق الحياء :
… وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ
[الترمذي ـ أحمد]
إذًا الرأس وما حوى؛ العين والأذن واللسان ، والبطن وما حوى ألاّ نأكل طعاماً حراماً.

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم... 

من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو حفظه للود واحتفاظه بالعهد .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ هَلَكَتْ – ماتت – قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا – أي يثني عليها خيراً – وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ
وأيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت:
جاءت عجوزٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : كيف أنت ؟ كيف حالكم ؟ كيف أصبحتم ؟ قالت : بخير ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فلما خرجت قلت : يا رسول الله تُقْبِلُ على هذه العجوز هذا الإقبال ؟ فقال : يا عائشة إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، إكراماً لخديجة ، وأن حسن العهد من الإيمان
عن أبي الطفيل قال :
رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة ، وأنا يومئذ غلامٌ فأتته امرأةٌ فبسط لها رداءه، قلت : من هذه ؟ قيل : هذه أمه التي أرضعته
أي هي حليمة السعدية رضي الله عنها ، مد لها رداءه
وروى أبو داود عَنْ عُمَرَ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ بَلَغَهُ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ – أي زوج حليمة السعدية ، أبوه من الرضاعة – فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فأصبح لا فراغ عنده ، أمه ، وأبوه ، وأخوه ، وكان يُجلّهم رسول الله بعد أن جاءه الوحي و حمل الرسالة
ومن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزور أصحابه ، وقد يتوهم المتوهم أن زيارة الكبير لمن هو دونه مما يقلل شأنه ؛ لا ، بل العكس هو الصحيح ، كان عليه الصلاة والسلام يكثر زيارة الأنصار خاصةً وعامةً ، كان إذا زار خاصةً أتى الرجل في منزله ، وإذا زار عامةً أتى المسجد .
عن أنسٍ رضي الله عنه قال :
كان عليه الصلاة والسلام يزور الأنصار ، ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم
عن أنس بن مالك قال:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار أهل بيتٍ من الأنصار فطعم عندهم طعاماً ، فلما خرج أمر بمكانٍ من البيت ، فنضح له على بساط فصلى عليه ودعا لهم .
فإذا زرت أشخاصاً وأطعموك فادع لهم و قل :
اللهم بارك هذا البيت وبارك أهله ، وزد فيه الخير ، وقل أكل طعامكم الأبرار وصلَّت عليكم الملائكة الأخيار ، وذكركم الله فيمن عنده
شيء جميل جداً ، أن تدعو لأهل البيت بالبركة وبالخير.
وعند أبي داود عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ :
زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِنَا فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا قَالَ قَيْسٌ فَقُلْتُ أَلَا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ذَرْهُ يُكْثِرُ عَلَيْنَا مِنْ السَّلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ سَعْدُ رَدًّا خَفِيًّا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنْ السَّلَامِ قَالَ فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ فَانْصَرَفْتُ
أحياناً يكون الإنسان قد أتي من السفر ، يستقبله صاحبه ، شيء جميل جداً ثم يدعوه إلى حمام ، و الإنسان إذا اغتسل يتنشط على أثر تعب ، الصحابي الجليل أمر بغسل ليتبرد النبي ، إذا إنسان دعا آخر و استضافه، يجب أن يدعوه إلى حمام ، إلى استلقاء ، إلى تغيير ثيابه ، هذه مبالغة بالإكرام ، فسيدنا سعد أعد للنبي ماءً ليغتسل فيه ويتبرد .
إخواننا الكرام … من أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه ، ولا سيما المسافر ، فالإنسان في حضرِهِ له بيت ، له غرفة نوم ، له مطبخ ، حمام ، يتكئ ، يرتاح ، يغير ثيابه ، يستلقي ، لكن إذا سافر فهو في أمس الحاجة إلى إكرام ، إلى بمبالغة بالإكرام ، هكذا فعل سيدنا سعد بن عبادة .
أيضاً تجد أحياناً شخصاً يزور شخصاً آخر ، إذا كنت تملك سيارة وهو لا يملك واحدة وكان الجو ماطراً, أوصِلْه إذا كان ضيفك غاليًا عزيزاً عليك ، أوصِله ، هذه تحسب عند الله ، لك أجر كبير ـ قرَّب إليه الدابة ، وضع عليها قطيفةً ، فقال سعد : يا قيس ـ يخاطب ابنه ـ اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال قيس : قال لي النبي الكريم : اركب ، فأبيت ، فقال : إما أن تركب وإما أن تنصرف ـ ليس هناك حاجة ، فما كان النبي عليه الصلاة والسلام يستهلك جهد الآخرين بلا سبب ، أو بلا فائدة ، الوقت ثمين ـ قال له : اركب معي ، فإن لم تركب فانصرف ، قال : فانصرفت ” .
فانظر إلى كمال لطفه صلى الله عليه وسلم ، وحسن معاشرته، ورعايته للحقوق ، وإعطائه كل ذي حقٍ حقه .

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم

من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم كمال لطفه صلى الله عليه وسلَّم ، وشدة اهتمامه لمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء .
عن أنسٍ رضي الله عنه قال :
بينما نحن جلوسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلَّم في المسجد دخل رجلٌ على جملٍ ، فأناخه في المسجد ، ثم عقله ثم قال لهم : ـ الآن أيها الإخوة استنبطوا ما شاء لكم أن تستنبطوا ـ
قال : أيكم محمد ؟ ـ النبي سيد الخلق ، حبيب الحق ، الذي يوحى إليه ، سيد ولد آدم مع أصحابه والداخل عليهم لم يعرفه من هو ، معنى هذا ليس له كرسي خاص ، ولا جلسة خاصَّة ، ولا متكأ خاص ـ قال : أيُّكم محمد ؟ ـ والنبي صلى الله عليه وسلَّم بين ظهرانيهم ، معهم ـ
فقلنا لهذا الرجل : هذا الرجل الأبيض .
فقال له الرجل: ابن عبد المطلب أنت ؟
فقال عليه الصلاة والسلام : قد أجبتك نعم.
فقال هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام : إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة ، فلا تجد عليّ في نفسكـ أي لا تغضب بل تحمل ـ وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحفُّه بلطفه
وقال له: سل عما بدا لك ،
فقال : أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلِّهم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : اللهمَّ نعم
قال الرجل : فمن خلق السماء ؟ قال : الله .
قال : فمن خلق الأرض ؟ قال : الله .
قال : فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال : الله.
قال فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ، ونصب الجبال وجعل فيها ما جعل آلله أرسلك ؟ قال :اللهمَّ نعم
قال الرجل : أُنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : اللهمَّ نعم .
قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : اللهمَّ نعم .
قال : أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ قال : اللهمَّ نعم
وسأله عن الحج أيضاً ، ثم قال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول مَن ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر
برقَّةٍ ، و حلم ، و سَعَة صدر ، و تلطُّف ، و رحمة ،
قال عليه الصلاة والسلام :
تواضعوا لمن تعلِّمون
[من الجامع الصغير : عن أبي هريرة]
وقصَّةٌ أخرى تؤكد سَعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم و صبره، أسماء بنت يزيد رضي الله عنها وصفت بأنها كانت من ذوات العقل والدين ، هذه القصة تؤكد أن المرأة كالرجل تماماً في التكليف وفي التشريف ، هذه المرأة ذات العقل والدين ،
روي أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :
إني رسول مَن ورائي من جماعة نساء المسلمين ، كلهن يقُلن بقولي ، وعلى مثل رأيي ـ أي أنها تمثل جماعة المسلمات ـ إن الله بعثك للرجال والنساء ، فآمنا بك واتبعناك ، ونحن معشر النساء مقصوراتٌ مخدرات ـ مقصورات أي محجبات في البيوت ، مخدرات في الخدر ـ نحن محجبات ، قواعد بيوت ، وإن الرجال فضلوا بالجمعات ، وشهود الجنائز والجهاد ، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم وربَّينا أولادهم ، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ ـ أُعيد : أنت أرسلت إلى الرجال والنساء ، ونحن آمنا بك واتبعناك ، الرجال فضلوا علينا بشهود الجُمع والجماعات والجنائز والجهاد ، إذا خرجوا للجهاد حفظنا أموالهم وربينا أولادهم ، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ ـ فالتفت الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه فقال : هل سمعتم مقالة امرأةٍ أحسن سؤالاً عن دينها من هذه؟ فقالوا : بلى يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : انصرفي يا أسماء ، وأعلمي من ورائكِ من النساء أن حُسن تبعُّل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته ، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرتِ للرجال فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر ، استبشاراً بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا ينطق عن الهوى ، فالإنسان أحياناً يجامل ، أما النبي فهو مشرِّع . فمجاملة ، و مبالغة ، و إرضاء ، و محاباة ، هذه كلها لا تليق بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فقد قال عليه الصلاة والسلام:انصرفي يا أسماء وأعلمي مَن وراءكٍ من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها أي أن أن تكون زوجةً صالحةً تقوم على شؤون زوجها وأولادها وطلبها لمرضاته ، واتباعها لموافقته ، يعدل كل ما ذكرت للرجال فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر ، استبشاراً بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد روي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال :
جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك ، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ، فإن يصيبوا أجروا، وإن قتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون ، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم فمالنا من ذلك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أبلغي من لقيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك ـ لكن الشيء المؤلم أنه قال ـ : وقليلٌ منكن من يفعله
فاللهَ نسأل أن يلهمنا جميعاً أن نربي بناتنا على هذه الأخلاق ، عندما تشرب البنت من أمها وأبيها وأهلها هذه التوجيهات ، فإذا زوِّجت كانت امرأةً صالحة ، فإذا عرفت المرأة أن جهادها في خدمة زوجها وأولادها ، وأن هذا العمل يعدل الجهاد في سبيل الله ، انطلقت إلى خدمة زوجها وأولادها من منطلقٍ كبير ، هي لا تُرضي زوجها فقط ، بل ترضي ربها من خلال بناء أسرة صالحة سعيدة .

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة


بسم الله الرحمن الرحيم

من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم شجاعته .
ومن عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلَّم
قال سيدنا علي رضي الله عنه في وصف النبي :
كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس صبراً ، وأشجعهم قلباً ، وأصدقهم لهجةً ، وألينهم عريكةً ، وأكرمهم عشرةً ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا اعترت الصحابة المخاوف أسرع بنفسه إلى كشفها وإزالتها
فالحقيقة أن السيطرة على قلوب الناس لها أسلوبها ؛ فهناك سيطرة ماديَّة ، قد تكون أنت أقوى منهم من حيث السُلطة ، أنت رئيس هذه الدائرة ، هذه سلطة مادية لكن لن تستطيع أن تكون سيَّدهم حقيقةً إلا إذا تفوَّقت عليهم ، عندئذٍ حقاً تكون مدير فعلاً قلباً وقالباً .
فالنبي الكريم اللهم صلِّ عليه ما أحبَّه أصحابه لأنه رسول فقط ، أو لأنه جاء بالقرآن ، بل لأنه كان بكل الكمالات البشريَّة متفوِّقاً ، فالشجاع إزاءه صغير ، والكريم إزاءَه صغير ، والحليم كذلك إزاءه صغير ، تفوق في كل مكارم الأخلاق ، فتفوق النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي جعل أصحابه يخضعون إليه ، تفوق بالكمال بكل أنواعه ، أحياناً تجد شخصاً له مكانة عليَّة جداً ، عندما يكون في خطر تجده يرتجف ، فبهذا انتهى عند مرؤوسيه ، إذا رجف انتهى ، فسيدنا النبي كان شجاعاً.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ :
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ
[رواه الشيخان]
سُمعت أصوات مخيفة ، لَعلَّهُ غزوٌ مفاجئ ، لعلها غارة صاعقة ، فهم خافوا ، فخرجوا ، فإذا بالنبي قد استطلع الخبر وعاد على فرسٍ عريٍّ وفي عنقه سيف وقد استطلع الخبر وقال : لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا ، كان اللهمَّ صلِّ عليه شجاعاً .
وقال ابن عمر رضي الله عنهما :
ما رأيت أشجع ، ولا أنجد ، ولا أجود ، ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا ألمَّت بهم الملمَّات وأحاطت بهم المخاوف لاذوا بجنابه الرفيع ، واحتموا بحماه المنيع صلى الله عليه وسلَّم
سبحان الله !
وقال سيدنا علي كرَّم الله وجهه :
كنا ـ أي معشر الصحابة ـ إذا حمي البأس أو اشتد البأس واحمرَّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه
حتى في الحرب هو الأول ، أقرب إنسان للعدو هو رسول الله ، كان أصحاب النبي يحتمون به من بأس العدو .
إنسان إستثنائي ، في جميع الأمور فبالكرم كريم ، وبالشجاعة شجاع ، وبالحلم حليم ، وبالشدة شديد ، وبالعلم عالِم ،
قال أحد الصحابة :
ولقد رأيتني يوم بدرٍ ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلَّم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذٍ بأساً على الأعداء
أما يوم حنين ـ
والله عزَّ وجل قال :
(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)
[سورة التوبة]
في يوم حنين وقد ألقى الله الرعب في قلوب الصحابة ، لأنهم قالوا : لن نُغلب من قلَّة ، فاعتدّوا بقوَّتهم
فعَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ :
يَا أَبَا عُمَارَةَ أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ وَقَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّهُمْ
[متفق عليه]
وهذه نقطة مهمة جداً : لو كان النبي يدعي النبوة لكان في حنين ولَّى هارباً، أما لأنه نبيٌ صادق ، وهو واثق من نصر الله له فهو ثابت في أرض المعركة ، أحياناً الإنسان يتكلَّم كلاماً هو ليس قانعاً به ، أما إذا صار على المِحَك .. لو فرضنا مثلاً صنع دواء غير واثق من فعاليته، وغير واثق من سلامته ، وأراد أن يبيعه للناس ، وروَّجه ، و قال له واحد : استعمله أنت . فإذا رفض ، فمعنى ذلك أنه غير واثق به ، فعندما أقدم النبي اللهم صلِّ عليه والموت محقق ، لولا أنه نبيٌ صادق لما أقدم ، و لولى هارباً ، قال : أنا النبي لا كذب ـ أي ليست نبوتي كذباً ـ
قال عروة بن الزبير يوم معركة أُحد:
أن أُبَيَّ بن خلف المشرك قال يوم أحد : أين محمد لا نجوت إن نجا . قال : وقد كان أبيّ يقول للنبي صلى الله عليه وسلَّم حين افتدى يوم بدر: عندي فرسٌ أعلفها كل يومٍ فرقاً ـ أي مكيالاً كبيراً ـ من ذرةٍ لأقتلك عليها ، فقال عليه الصلاة والسلام :
أنا أقتلك إن شاء الله
هذه الثقة ـ فلما رأى أبيُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم يوم أحد ، شدَّ أبي بن خلف على فرسه ، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فاعترضه رجالٌ من المسلمين ، فقال عليه الصلاة والسلام هكذا :
تنحوا ولا تحولوا بيني وبين أبيّ بن خلف
وتناول النبي الحربة من الحارث بن الصمَّة الصحابي ، فانتفض النبي بها انتفاضةً ـ أي قام بالحربة قومةً سريعةً ـ تطايروا ، أي أبيّ بن خلف ومن معه من الكفار ، تفرقوا فارِّين بسرعة كالطيور ، ثم استقبل النبي أبيّ بن خلف بالحربة ، فطعنه في عنقه طعنةً تدأدأ ـ أي سقط ـ منها عن فرسه مراراً . فرجع أبيّ بن خلف إلى قريش وهو يقول : قتلني محمد ، وهم يقولون : ” لا بأس بك فقال لهم : لو كان ما بي من الألم والشدة لجميع الناس لقتلهم ، أليس قد قال : أنا أقتلك ، والله لو بصق علي لقتلني ثم مات أبي بن خلف بشرفٍ في قفولهم إلى مكة ، أي حين رجعوا إلى مكة .
ما أشقى هذا الإنسان الذي أراد أن يقتل النبي ، قال له : أنا أقتلك إن شاء الله ، و قال أبيّ : لو بصق عليَّ لقتلني.
أيها الإخوة … تحدَّثنا اليوم عن الشجاعة ، والمؤمن شجاع اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام ، وشجاع لأنه يعلم علم اليقين أن الأمر كلَّه بيد الله ، وأن الله مع المؤمنين ، وهذه الثقة التي يثق بها المؤمن بربه هي أثمن ما في إيمانه ، الثقة بالله عزَّ وجل ،
لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
والثقة كنز

والحمد الله رب العالمين

» تابع القراءة

المشاركات الشائعة